تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1696

مساهمون:

ص١٦٩٦
وجزاء ، يقومان على علم اللّه المطلق بالظواهر والسرائر :
« ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ »
. . والغيب ما غاب عن الناس علمه ، والشهادة ما يشهدونه ويعرفونه . واللّه سبحانه عالم الغيب والشهادة بهذا المعنى . وبمعنى أشمل وأكبر . فهو سبحانه يعلم ما في هذا العالم المشهود ويعلم ما وراءه من العوالم المغيبة . . وفي قوله تعالى لأولئك المخاطبين :
« فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ »
. . إيماءة مقصودة . فهم يعلمون ما كانوا يعملون . ولكن اللّه - سبحانه - أعلم منهم بها حتى لينبئهم هو بها ! وكم من دافع خفي للعمل يخفى حتى على صاحبه وهو يفعله ، واللّه أعلم به منه ! وكم من نتيجة لهذا العمل لا يدري صاحبه وقوعها ، واللّه يعلمها دون صاحبها ! . . والمقصود - بطبيعة الحال - هو نتيجة الإنباء . وهي الحساب والجزاء الحق على الأعمال . ولكن هذه النتيجة لا ينص عليها ، إنما ينص على الإنباء ذاته لمناسبة هذه الإيماءة في هذا السياق .
« سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ - إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ - لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ . فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ ، إِنَّهُمْ رِجْسٌ ، وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ ، جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ »
. . وهذا إنباء آخر من اللّه سبحانه لنبيه صلى اللّه عليه وسلم ، عما سيكون من أمر القوم عندما يعود إليهم هو والمؤمنون الخلص معه سالمين آمنين . وكان المنافقون قد ظنوا أنهم لا يعودون من لقاء الروم ! فقد علم اللّه وأخبر نبيه أنهم سيؤكدون معاذيرهم بالحلف باللّه ؛ لعل المسلمين يعرضون عن فعلتهم وتخلفهم عفوا وصفحا ؛ ولا يحاسبونهم عليها ويجازونهم بها . ثم يوجهه ربه إلى الإعراض عنهم فعلا ، لكن لا بمعنى العفو والصفح ؛ إنما بمعنى الإهمال والاجتناب . معللا ذلك بأنهم دنس يتجنب ويتوقى :
« فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ ، إِنَّهُمْ رِجْسٌ »
. . وهو التجسيم الحسي للدنس المعنوي . فهم ليسوا رجسا - أي دنسا - بأجسادهم وذواتهم ؛ إنما هم رجس بأرواحهم وأعمالهم . ولكنها الصورة المجسمة أشد بشاعة وأبين قذارة ، وأدعى إلى التقزز والاشمئزاز ، وإلى الاحتقار كذلك والازدراء ! والقاعدون في الجماعة المكافحة - وهم قادرون على الحركة - الذين يقعد بهم إيثار السلامة عن الجهاد . . رجس ودنس . ما في ذلك شك ولا ريب . . رجس خبيث يلوث الأرواح ، ودنس قذر يؤذي المشاعر ؛ كالجثة المنتنة في وسط الأحياء تؤذي وتعدي !
« وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ »
. . وهم يحسبون أنهم يكسبون بالتخلف ؛ ويربحون بالقعود ؛ ويجنون السلامة والراحة ؛ ويحتفظون بالعافية والمال . . ولكن الحقيقة أنهم دنس في الدنيا ، وأنهم يضيعون نصيبهم في الآخرة . فهي الخسارة المطبقة بكل ألوانها وأشكالها . . ومن أصدق من اللّه حديثا ؟ . ثم يمضي السياق ينبئ عما سيقع من هؤلاء القاعدين بعد عودة المجاهدين :
« يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ . فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ »
. . إنهم يطلبون ابتداء من المسلمين أن يعرضوا عن فعلتهم صفحا وعفوا . ثم يتدرجون من هذا إلى طلب رضى المسلمين عنهم ليضمنوا السلامة في المجتمع المسلم بهذا الرضى ! ويضمنوا أن يظل المسلمون يعاملونهم بظاهر