تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1667

مساهمون:

ص١٦٦٧
التي يحاولون سترها ، فلا يستطيعون . فمنهم من يلمز النبي - صلى اللّه عليه وسلم - في توزيع الصدقات ، ويتهم عدالته في التوزيع ، وهو المعصوم ذو الخلق العظيم ، ومنهم من يقول : هو اذن يستمع لكل قائل ، ويصدق كل ما يقال ، وهو النبي الفطن البصير ، المفكر المدبر الحكيم . ومنهم من يتخفى بالقولة الفاجرة الكافرة ، حتى إذا انكشف أمره استعان بالكذب والحلف ليبرئ نفسه من تبعة ما قال . ومنهم من يخشى أن ينزل اللّه على رسوله سورة تفضح نفاقهم وتكشفهم للمسلمين . ويعقب على استعراض هذه الصنوف من المنافقين ، ببيان طبيعة النفاق والمنافقين ، ويربط بينهم وبين الكفار الذين خلوا من قبل ، فأهلكهم اللّه بعد ما استمتعوا بنصيبهم إلى أجل معلوم . ذلك ليكشف عن الفوارق بين طبيعتهم هذه وطبيعة المؤمنين الصادقين ، الذين يخلصون العقيدة ولا ينافقون .
« وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ ، فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ . وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، وَقالُوا : حَسْبُنَا اللَّهُ ، سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ ، إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ . إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ ، وَالْعامِلِينَ عَلَيْها ، وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ، وَفِي الرِّقابِ ، وَالْغارِمِينَ ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ، فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ »
. . من المنافقين من يغمزك بالقول ، ويعيب عدالتك في توزيع الصدقات ، ويدعي أنك تحابي في قسمتها . وهم لا يقولون ذلك غضبا للعدل ، ولا حماسة للحق ، ولا غيرة على الدين ، إنما يقولونه لحساب ذواتهم وأطماعهم ، وحماسة لمنفعتهم وأنانيتهم :
« فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا »
ولم يبالوا الحق والعدل والدين !
« وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ »
! وقد وردت روايات متعددة عن سبب نزول الآية ، تقص حوادث معينة عن أشخاص بأعيانهم لمزوا الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - في عدالة التوزيع . روى البخاري والنسائي عن أبي سعيد الخدري - رضي اللّه عنه - قال : بينما النبي - صلى اللّه عليه وسلم - يقسم قسما إذ جاءه ذو الخويصرة التميمي ، فقال : أعدل يا رسول اللّه . فقال : « ويلك ! ومن يعدل إذا لم أعدل ؟ » فقال عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - ائذن لي فأضرب عنقه . فقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - « دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم ، وصيامه مع صيامهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم في الرمية . . . » قال أبو سعيد ، فنزلت فيهم : « ومنهم من يلمزك في الصدقات » . وروى ابن مردويه عن ابن مسعود - رضي اللّه عنه - قال : « لما قسم النبي - صلى اللّه عليه وسلم - غنائم حنين سمعت رجلا يقول : إن هذه قسمة ما أريد بها وجه اللّه . فأتيت النبي - صلى اللّه عليه وسلم - فذكرت له ذلك فقال : « رحمة اللّه على موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر » ونزل « ومنهم من يلمزك في الصدقات » وروى سنيد وابن جرير عن داود بن أبي عاصم قال : أتي النبي - صلى اللّه عليه وسلم - بصدقة فقسمها هاهنا وهاهنا حتى ذهبت ، ورآه رجل من الأنصار فقال : ما هذا بالعدل . فنزلت هذه الآية . وقال قتادة في قوله : « ومنهم من يلمزك في الصدقات » يقول : ومنهم من يطعن عليك في الصدقات . وذكر لنا أن رجلا من أهل البادية حديث عهد بأعرابية أتى النبي - صلى اللّه عليه وسلم - وهو يقسم ذهبا
في ظلال القرآن — صفحة 1667 | سيد قطب