تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1669

مساهمون:

ص١٦٦٩
عن ابن عمر - رضي اللّه عنهما - قال : قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي « 1 » » . وعن عبد اللّه بن عدي بن الخيار أن رجلين أخبراه أنهما أتيا النبي - صلى اللّه عليه وسلم - يسألانه من الصدقة ، فقلب فيهما البصر ، فرآهما جلدين ، فقال : « إن شئتما أعطيتكما . ولاحظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب « 2 » » . إن الزكاة فرع من فروع نظام التكافل الاجتماعي في الإسلام . وهذا النظام أشمل وأوسع كثيرا من الزكاة ؛ لأنه يتمثل في عدة خطوط تشمل فروع الحياة كلها ، ونواحي الارتباطات البشرية بأكملها ، والزكاة خط أساسي من هذه الخطوط « 3 » : والزكاة تجمع بنسبة العشر ونصف العشر وربع العشر من أصل المال حسب أنواع الأموال . وهي تجمع من كل من يملك حوالي عشرين جنيها فائضة عن حاجته يحول عليها الحول . وبذلك يشترك في حصيلتها معظم أفراد الأمة . ثم تنفق في المصارف التي بينتها الآية هنا ، وأول المستحق لها هم الفقراء والمساكين . والفقراء هم الذين يجدون دون الكفاية ، والمساكين مثلهم ولكنهم هم الذين يتجملون فلا يبدون حاجتهم ولا يسألون . وإن كثيرا ممن يؤدون الزكاة في عام ، قد يكونون في العام التالي مستحقين للزكاة . بنقص ما في أيديهم عن الوفاء بحاجاتهم . فهي من هذه الناحية تأمين اجتماعي . وبعضهم يكون لم يؤد شيئا في حصيلة الزكاة ولكنه يستحقها . فهي من هذه الناحية ضمان اجتماعي . . وهي قبل هذا وذاك فريضة من اللّه ، تزكو النفس بأدائها وهي إنما تعبد بها اللّه ، وتخلص من الشح وتستعلي عليه في هذا الأداء .
« إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ »
. . وقد سبق بيانهما .
« وَالْعامِلِينَ عَلَيْها »
. . أي الذين يقومون على تحصيلها .
« وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ »
. . وهم طوائف ، منهم الذين دخلوا حديثا في الإسلام ويراد تثبيتهم عليه . ومنهم الذين يرجى أن تتألف قلوبهم فيسلموا . ومنهم الذين أسلموا وثبتوا ويرجى تأليف قلوب أمثالهم في قومهم ليثوبوا إلى الإسلام حين يرون إخوانهم يرزقون ويزادون . . وهناك خلاف فقهي حول سقوط سهم هؤلاء المؤلفة قلوبهم بعد غلبة الإسلام . . ولكن المنهج الحركي لهذا الدين سيظل يواجه في مراحله المتعددة كثيرا من الحالات ، تحتاج إلى إعطاء جماعة من الناس على هذا الوجه ؛ إما إعانة لهم على الثبات على الإسلام إن كانوا يحاربون في أرزاقهم لإسلامهم ، وإما تقريبا لهم من الإسلام كبعض الشخصيات غير المسلمة التي يرجى أن تنفع الإسلام بالدعوة له والذب عنه هنا وهناك . ندرك هذه الحقيقة ، فنرى مظهرا لكمال حكمة اللّه في تدبيره لأمر المسلمين على اختلاف الظروف والأحوال .
« وَفِي الرِّقابِ »
. . ذلك حين كان الرق نظاما عالميا ، تجري المعاملة فيه على المثل في استرقاق الأسرى بين المسلمين وأعدائهم . ولم يكن للإسلام بد من المعاملة بالمثل حتى يتعارف العالم على نظام آخر غير الاسترقاق . . وهذا السهم كان يستخدم في إعانة من يكاتب سيده على الحرية في نظير مبلغ يؤديه له ، ليحصل على حريته
هامش
( 1 ) رواه أحمد وأبو داود والترمذي . ( 2 ) رواه أحمد وأبو داود والنسائي . ( 3 ) يراجع فصل « التكافل الاجتماعي في كتاب : « العدالة الاجتماعية » . وفي كتاب : « دراسات إسلامية » كما يراجع تفسير الجزء الثالث من هذه الظلال : أو آخر سورة البقرة « دار الشروق » .
في ظلال القرآن — صفحة 1669 | سيد قطب