تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1665

مساهمون:

ص١٦٦٥
« وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ . . . »
وما يتكل على اللّه حق الاتكال من لا ينفذ أمر اللّه ، ومن لا يأخذ بالأسباب ، ومن لا يدرك سنة اللّه الجارية التي لا تحابي أحدا ، ولا تراعي خاطر إنسان ! على أن المؤمن أمره كله خير . سواء نال النصر أو نال الشهادة . والكافر أمره كله شر سواء أصابه عذاب اللّه المباشر أو على أيدي المؤمنين :
« قُلْ : هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ، وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا . فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ »
. . فما ذا يتربص المنافقون بالمؤمنين ؟ إنها الحسنى على كل حال . النصر الذي تعلو به كلمة اللّه ، فهو جزاؤهم في هذه الأرض ، أو الشهادة في سبيل الحق عليا الدرجات عند اللّه . وما ذا يتربص المؤمنون بالمنافقين ؟ إنه عذاب اللّه يأخذهم كما أخذ من قبلهم من المكذبين ؛ أو ببطش المؤمنين بهم كما وقع من قبل للمشركين . .
« فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ »
والعاقبة معروفة . . والعاقبة للمؤمنين . ولقد كان بعض هؤلاء المعتذرين المتخلفين المتربصين ، قد عرض ماله ، وهو يعتذر عن الجهاد ، ذلك ليمسك العصا من الوسط على طريقة المنافقين في كل زمان ومكان . فرد اللّه عليهم مناورتهم ، وكلف رسوله أن يعلن أن إنفاقهم غير مقبول عند اللّه ، لأنهم إنما ينفقونه عن رياء وخوف ، لا عن إيمان وثقة ، وسواء بذلوه عن رضا منهم بوصفه ذريعة يخدعون بها المسلمين ، أو عن كره خوفا من انكشاف أمرهم ، فهو في الحالتين مردود ، لا ثواب له ولا يحسب لهم عند اللّه :
« قُلْ : أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ ، إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ . وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ ، وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى ، وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ »
. إنها صورة المنافقين في كل آن . خوف ومداراة ، وقلب منحرف وضمير مدخول . ومظاهر خالية من الروح ، وتظاهر بغير ما يكنه الضمير . والتعبير القرآني الدقيق :
« وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى »
. . فهم يأتونها مظهرا بلا حقيقة ، ولا يقيمونها إقامة واستقامة . يأتونها كسالى لأن الباعث عليها لا ينبثق من أعماق الضمير ، إنما يدفعون إليها دفعا ، فيحسون أنهم عليها مسخرون ! وكذلك ينفقون ما ينفقون كارهين مكرهين . وما كان اللّه ليقبل هذه الحركات الظاهرة التي لا تحدو إليها عقيدة ، ولا يصاحبها شعور دافع . فالباعث هو عمدة العمل والنية هي مقياسه الصحيح . ولقد كان هؤلاء المنفقون وهم كارهون ذوي مال وذوي أولاد ، وذوي جاه في قومهم وشرف . ولكن هذا كله ليس بشيء عند اللّه وكذلك يجب ألا يكون شيئا عند الرسول والمؤمنين . فما هي بنعمة يسبغها اللّه عليهم ليهنئوا بها ، إنما هي الفتنة يسوقها اللّه إليهم ويعذبهم بها :
« فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ ، إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ، وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ »
.
في ظلال القرآن — صفحة 1665 | سيد قطب