تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1664

مساهمون:

ص١٦٦٤
روى محمد بن إسحاق عن الزهري ويزيد بن رومان وعبد اللّه بن أبي بكر وعاصم بن قتادة قالوا : قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ذات يوم ، وهو في جهازه ( أي لغزوة تبوك ) للجد بن قيس أخي بني سلمة : « هل لك يا جد في جلاد بني الأصفر ؟ » ( يعني الروم ) فقال : يا رسول اللّه أو تأذن لي ولا تفتني ؟ فو اللّه لقد عرف قومي ما رجل أشد عجبا بالنساء مني ، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر ألا أصبر عنهن . فأعرض عنه رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وقال : قد أذنت لك » ففي الجد بن قيس نزلت هذه الآية . بمثل هذه المعاذير كان المنافقون يعتذرون . والرد عليهم :
« أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ »
. . والتعبير يرسم مشهدا كأن الفتنة فيه هاوية يسقط فيها المفتونون ؛ وكأن جهنم من ورائهم تحيط بهم ، وتأخذ عليهم المنافذ والمتجهات فلا يفلتون . كناية عن مقارفتهم للخطيئة كاملة وعن انتظار العقاب عليها حتما ، جزاء الكذب والتخلف والهبوط إلى هذا المستوي المنحط من المعاذير . وتقريرا لكفرهم وإن كانوا يتظاهرون بالإسلام وهم فيه منافقون . إنهم لا يريدون بالرسول خيرا ولا بالمسلمين ؛ وإنهم ليسوؤهم أن يجد الرسول والمسلمون خيرا :
« إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ »
. . وإنهم ليفرحون لما يحل بالمسلمين من مصائب وما ينزل بهم من مشقة :
« وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا : قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ »
. . واحتطنا ألا نصاب مع المسلمين بشرّ ، وتخلفنا عن الكفاح والغزو !
« وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ »
. . بالنجاة وبما أصاب المسلمين من بلاء . ذلك أنهم يأخذون بظواهر الأمور ، ويحسبون البلاء شرا في كل حال ، ويظنون أنهم يحققون لأنفسهم الخير بالتخلف والقعود . وقد خلت قلوبهم من التسليم للّه ، والرضى بقدره ، واعتقاد الخير فيه . والمسلم الصادق يبذل جهده ويقدم لا يخشى ، اعتقادا بأن ما يصيبه من خير أو شر معقود بإرادة اللّه ، وأن اللّه ناصر له ومعين :
« قُلْ : لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ »
. . واللّه قد كتب للمؤمنين النصر ، ووعدهم به في النهاية ، فمهما يصبهم من شدة ، ومهما يلاقوا من ابتلاء ، فهو إعداد للنصر الموعود ، ليناله المؤمنون عن بينة ، وبعد تمحيص ، وبوسائله التي اقتضتها سنة اللّه ، نصرا عزيزا لا رخيصا ، وعزة تحميها نفوس عزيزة مستعدة لكل ابتلاء ، صابرة على كل تضحية . واللّه هو الناصر وهو المعين :
« وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ »
. . والاعتقاد بقدر اللّه ، والتوكل الكامل على اللّه ، لا ينفيان اتخاذ العدة بما في الطوق . فذلك أمر اللّه الصريح :