تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1662

مساهمون:

ص١٦٦٢
في كل زمان وفي كل مكان ، فما هي قلة عارضة ، إنما هي النموذج المكرور . وإنهم ليعيشون على حاشية الحياة ، وإن خيل إليهم أنهم بلغوا منافع ونالوا مطالب ، واجتنبوا أداء الثمن الغالي ، فالثمن القليل لا يشتري سوى التافه الرخيص !
« وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ »
. . فهو الكذب المصاحب للضعف أبدا . وما يكذب إلا الضعفاء . أجل ما يكذب إلا ضعيف ولو بدا في صورة الأقوياء الجبارين في بعض الأحايين . فالقوي يواجه والضعيف يداور . وما تتخلف هذه القاعدة في موقف من المواقف ولا في يوم من الأيام . .
« يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ »
. . بهذا الحلف وبهذا الكذب ، الذي يخيل إليهم أنه سبيل النجاة عند الناس ، واللّه يعلم الحق ، ويكشفه للناس ، فيهلك الكاذب في الدنيا بكذبه ، ويهلك في الآخرة يوم لا يجدي النكران .
« وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ »
. .
« عَفَا اللَّهُ عَنْكَ . لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ »
. . . إنه لطف اللّه برسوله ، فهو يعجل له بالعفو قبل العتاب . فلقد تدارى المتخلفون خلف إذن الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - لهم بالقعود حين قدموا له المعاذير . وقبل أن ينكشف صدقهم من كذبهم في هذه المعاذير . وكانوا سيتخلفون عن الركب حتى ولو لم يأذن لهم . فعندئذ تتكشف حقيقتهم ، ويسقط عنهم ثوب النفاق ، ويظهرون للناس على طبيعتهم ، ولا يتوارون خلف إذن الرسول . وإذا لم يكن ذلك فإن القرآن يتولى كشفهم ، ويقرر القواعد التي يمتاز بها المؤمنون والمنافقون .
« لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ . إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ ، فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ »
. وهذه هي القاعدة التي لا تخطئ . فالذين يؤمنون باللّه ، ويعتقدون بيوم الجزاء ، لا ينتظرون أن يؤذن لهم في أداء فريضة الجهاد ؛ ولا يتلكئون في تلبية داعي النفرة في سبيل اللّه بالأموال والأرواح ؛ بل يسارعون إليها خفافا وثقالا كما أمرهم اللّه ، طاعة لأمره ، ويقينا بلقائه ، وثقة بجزائه ، وابتغاء لرضاه . وإنهم ليتطوعون تطوعا فلا يحتاجون إلى من يستحثهم ، فضلا عن الإذن لهم . إنما يستأذن أولئك الذين خلت قلوبهم من اليقين فهم يتلكئون ويتلمسون المعاذير ، لعل عائقا من العوائق يحول بينهم وبين النهوض بتكاليف العقيدة التي يتظاهرون بها ، وهم يرتابون فيها ويترددون . إن الطريق إلى اللّه واضحة مستقيمة ، فما يتردد ويتلكأ إلا الذي لا يعرف الطريق ، أو الذي يعرفها ويتنكبها اتقاء لمتاعب الطريق ! ولقد كان أولئك المتخلفون ذوي قدرة على الخروج ، لديهم وسائله ، وعندهم عدته :
« وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً »
. .