تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1630

مساهمون:

ص١٦٣٠
« ابتدأ الصليبيون سيرهم على بيت المقدس بأسوإ طالع ، فكان فريق من الحجاج يسفكون الدماء في القصور التي استولوا عليها . وقد أسرفوا في القسوة فكانوا يبقرون البطون ، ويبحثون عن الدنانير في الأمعاء ! أما صلاح الدين ، فلما استرد بيت المقدس بذل الأمان للصليبيين ، ووفى لهم بجميع عهوده ، وجاد المسلمون على أعدائهم ووطئوهم مهاد رأفتهم ، حتى أن الملك العادل ، شقيق السلطان ، أطلق ألف رقيق من الأسرى ، ومنّ على جميع الأرمن ، وأذن للبطريرك بحمل الصليب وزينة الكنيسة ، وأبيح للأميرات والملكة بزيارة أزواجهن » . ولا يتسع المجال في الظلال لاستعراض ذلك الخط الطويل للحروب الصليبية - على مدار التاريخ - ولكن يكفي أن نقول : إن هذه الحرب لم تضع أوزارها قط من جانب الصليبية . ويكفي أن نذكر ما ذا حدث في زنجبار حديثا . حيث أبيد المسلمون فيها عن بكرة أبيهم ، فقتل منهم اثنا عشر ألفا وألقي الأربعة الآلاف الباقون في البحر منفيين من الجزيرة ! ويكفي أن نذكر ما ذا وقع في قبرص ، حيث منع الطعام والماء عن الجهات التي يقطنها بقايا المسلمين هناك ليموتوا جوعا وعطشا ، فوق ما سلط عليهم من التقتيل والتذبيح والتشريد ! ويكفي أن نذكر ما تزاوله الحبشة في اريترية وفي قلب الحبشة ، وما تزاوله كينيا مع المائة ألف مسلم الذين ينتمون إلى أصل صومالي ، ويريدون أن ينضموا إلى قومهم المسلمين في الصومال ! ويكفي أن نعلم ما ذا تحاوله الصليبية في السودان الجنوبي ! ويكفي لتصوير نظرة الصليبيين إلى الإسلام أن ننقل فقرة من كتاب لمؤلف أوربي صدر سنة 1944 يقول فيه . « لقد كنا نخوّف بشعوب مختلفة . ولكننا بعد اختبار ، لم نجد مبررا لمثل هذا الخوف . . لقد كنا نخوّف من قبل بالخطر اليهودي ، والخطر الأصفر ، وبالخطر البلشفي . إلا أن هذا التخويف كله لم يتفق كما تخيلناه . إننا وجدنا اليهود أصدقاء لنا ، وعلى هذا يكون كل مضطهد لهم عدونا الألد ! ثم رأينا أن البلاشفة حلفاء لنا . أما الشعوب الصفراء فهنالك دول ديمقراطية كبرى تقاومها . ولكن الخطر الحقيقي كامن في نظام الإسلام ، وفي قوته على التوسع والإخضاع ، وفي حيويته . . إنه الجدار الوحيد في وجه الاستعمار الأوروبي « 1 » » . ولا نستطيع أن نمضي أبعد من ذلك في استعراض تاريخ تلك الحرب العاتية التي أعلنتها الصليبية على الإسلام وما تزال . . وقد تحدثنا من قبل مرارا في أجزاء الظلال السابقة - بمناسبة النصوص القرآنية الكثيرة - عن طبيعة هذه المعركة ، الطويلة ، ومسائلها وأشكالها . فحسبنا هذه الإشارات السريعة هنا بالإحالة على بعض المراجع الأخرى القريبة « 2 » . وهكذا نرى من هذا الاستعراض السريع - بالإضافة إلى ما قلناه من قبل عن طبيعة الإعلان الإسلامي العام
هامش
( 1 ) من كتاب جورج براون نقلا عن كتاب : « التبشير والاستعمار في البلاد العربية » للدكتور مصطفى خالدي ، والدكتور عمر فروخ . ( 2 ) يراجع كتاب : « الاستعمار والتبشير » للدكتور مصطفى خالدي والدكتور عمر فروخ . وكتاب : « الغارة على العالم الإسلامي » للاستاذين اليافي ومحب الدين الخطيب . وكتاب : « الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر » للدكتور محمد محمد حسين . وكتاب : « هل نحن مسلمون » لمحمد قطب . « دار الشروق » .
في ظلال القرآن — صفحة 1630 | سيد قطب