تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1633

مساهمون:

ص١٦٣٣
ببنوة عزير للّه أو بنوة المسيح للّه لا يمكن أن يقال عنه : إنه يؤمن باللّه . وكذلك الذي يقول : إن اللّه هو المسيح ابن مريم . أو إن اللّه ثالث ثلاثة . أو إن اللّه تجسد في المسيح . . . إلى آخر التصورات الكنسية التي صاغتها المجامع المقدسة على كل ما بينها من خلاف ! . . والذين يقولون : إنهم لن يدخلوا النار إلا أياما معدودات مهما ارتكبوا من آثام بسبب أنهم أبناء اللّه وأحباؤه وشعب اللّه المختار ، والذين يقولون : إن كل معصية تغفر بالاتحاد بالمسيح وتناول العشاء المقدس ؛ وأنه لا مغفرة إلا عن هذا الطريق ! هؤلاء وهؤلاء لا يقال : إنهم يؤمنون باليوم الآخر . . وهذه الآية تصف أهل الكتاب هؤلاء بأنهم
« لا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ »
. وسواء كان المقصود بكلمة « رسوله » هو رسولهم الذي أرسل إليهم ، أو هو النبي - صلى اللّه عليه وسلم - فالفحوى واحدة . ذلك أن الآيات التالية فسرت هذا بأنهم يأكلون أموال الناس بالباطل . وأكل أموال الناس بالباطل محرم في كل رسالة وعلى يد كل رسول . . وأقرب النماذج لأكل أموال الناس بالباطل هو المعاملات الربوية . وهو ما يأخذه رجال الكنيسة مقابل « صك الغفران » ! وهو الصد عن دين اللّه والوقوف في وجهه بالقوة وفتنة المؤمنين عن دينهم . وهو تعبيد العباد لغير اللّه وإخضاعهم لأحكام وشرائع لم ينزلها اللّه . . فهذا كله ينطبق عليه :
« وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ »
. . وهذا كله قائم في أهل الكتاب ، كما كان قائما يومذاك ! كذلك تصفهم الآية بأنهم
« لا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ »
. . وهذا واضح مما سبق بيانه . فليس بدين الحق أي اعتقاد بربوبية أحد مع اللّه . كما أنه ليس بدين الحق التعامل بشريعة غير شريعة اللّه ، وتلقي الأحكام من غير اللّه ، والدينونة لسلطان غير سلطان اللّه . وهذا كله قائم في أهل الكتاب ، كما كان قائما فيهم يومذاك . . والشرط الذي يشترطه النص للكف عن قتالهم ليس أن يسلموا . . فلا إكراه في الدين . ولكن أن يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون . . فما حكمة هذا الشرط ، ولما ذا كانت هذه هي الغاية التي ينتهي عندها القتال ؟ إن أهل الكتاب بصفاتهم تلك حرب على دين اللّه اعتقادا وسلوكا ؛ كما أنهم حرب على المجتمع المسلم بحكم طبيعة التعارض والتصادم الذاتيين بين منهج اللّه ومنهج الجاهلية الممثلة في عقيدة أهل الكتاب وواقعهم - وفق ما تصوره هذه الآيات - كما أن الواقع التاريخي قد أثبت حقيقة التعارض وطبيعة التصادم ؛ وعدم إمكان التعايش بين المنهجين ؛ وذلك بوقوف أهل الكتاب في وجه دين اللّه فعلا ، وإعلان الحرب عليه وعلى أهله بلا هوادة خلال الفترة السابقة لنزول هذه الآية ( وخلال الفترة اللاحقة لها إلى اليوم أيضا ! ) . والإسلام - بوصفه دين الحق الوحيد القائم في الأرض - لا بد أن ينطلق لإزالة العوائق المادية من وجهه ؛ ولتحرير الإنسان من الدينونة بغير دين الحق ؛ على أن يدع لكل فرد حرية الاختيار ، بلا إكراه منه ولا من تلك العوائق المادية كذلك . وإذن فإن الوسيلة العملية لضمان إزالة العوائق المادية ، وعدم الإكراه على اعتناق الإسلام في الوقت نفسه ، هي كسر شوكة السلطات القائمة على غير دين الحق ؛ حتى تستسلم ؛ وتعلن استسلامها بقبول إعطاء الجزية فعلا . وعندئذ تتم عملية التحرير فعلا ، بضمان الحرية لكل فرد أن يختار دين الحق عن اقتناع . فإن لم يقتنع بقي على عقيدته ، وأعطى الجزية . لتحقيق عدة أهداف : أولها : أن يعلن بإعطائها استسلامه وعدم مقاومته بالقوة المادية للدعوة إلى دين اللّه الحق .