تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1629

مساهمون:

ص١٦٢٩
والأضاليل الكنسية ، متلبسا ببقايا من كلمات المسيح - عليه السلام - وتاريخه « 1 » . . حتى رأينا الرومان والفرس ينسون ما بينهم من نزاعات تاريخية قديمة وعداوات وثارات عميقة ، ليواجهوا هذا الدين الجديد . ولقد أخذ الروم يتجمعون في الشمال هم وعمالهم من الغساسنة لينقضوا على هذا الدين . وذلك بعد أن قتلوا الحارث بن عمير الأزدي رسول رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - إلى عامل بصرى من قبل الروم - وكان المسلمون يؤمنون الرسل ولكن النصارى غدروا برسول النبي صلى اللّه عليه وسلم وقتلوه - مما جعل رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يبعث بجيش الأمراء الشهداء الثلاثة : زيد بن حارثة ، وجعفر بن أبي طالب ، وعبد اللّه بن رواحة في غزوة « مؤتة » فوجدوا تجمعا للروم تقول الروايات عنه : إنه مائة ألف من الروم ومعه من عملائهم في الشام من القبائل العربية النصرانية مائة ألف أخرى ؛ وكان جيش المسلمين لا يتجاوز ثلاثة آلاف مقاتل . وكان ذلك في جمادى الأولى من السنة الثامنة للهجرة . ثم كانت غزوة تبوك التي يدور عليها معظم هذه السورة ( وسيجيء تفصيل القول فيها في موضعه إن شاء اللّه تعالى ) . ثم كان جيش أسامة بن زيد الذي أعده رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قبيل وفاته ؛ ثم أنفذه الخليفة الراشد أبو بكر - رضي اللّه عنه - إلى أطراف الشام ؛ لمواجهة تلك التجمعات الرومانية التي تستهدف القضاء على هذا الدين ! ثم اشتعل مرجل الحقد الصليبي منذ موقعة اليرموك الظافرة ، التي أعقبها انطلاق الإسلام لتحرير المستعمرات الإمبراطورية الرومانية في الشام ومصر وشمال إفريقية وجزر البحر الأبيض . ثم بناء القاعدة الإسلامية الوطيدة في الأندلس في النهاية . إن « الحروب الصليبية » المعروفة بهذا الاسم في التاريخ ، لم تكن هي وحدها التي شنتها الكنيسة على الإسلام . . لقد كانت هذه الحروب مبكرة قبل هذا الموعد بكثير . . لقد بدأت في الحقيقة منذ ذلك التاريخ البعيد . . منذ أن نسي الرومان عداواتهم مع الفرس ؛ وأخذ النصارى يعينون الفرس ضد الإسلام في جنوب الجزيرة . ثم بعد ذلك في « مؤتة » . ثم فيما تلا موقعة اليرموك الظافرة . . ثم تجلت ضراوتها ووحشيتها في الأندلس عندما زحفت الصليبية على القاعدة الإسلامية في أوربة ، وارتكبت من الوحشية في تعذيب ملايين المسلمين وقتلهم هناك ما لم يعرف التاريخ له نظيرا من قبل . . وكذلك تجلت في الحروب الصليبية في الشرق بمثل هذه البشاعة التي لا تتحرج ولا تتذمم ؛ ولا تراعي في المسلمين إلّا ولا ذمة . ومما جاء في كتاب « حضارة العرب » لجوستاف‌لوبون - وهو فرنسي مسيحي - : « كان أول ما بدأ به ريكاردوس الإنجليزي أنه قتل أمام معسكر المسلمين ، ثلاثة آلاف أسير سلموا أنفسهم إليه ، بعد أن قطع على نفسه العهد بحقن دمائهم . ثم أطلق لنفسه العنان باقتراف القتل والسلب ، مما أثار صلاح الدين الأيوبي النبيل ، الذي رحم نصارى القدس ، فلم يمسهم بأذى ، والذي أمد فيليب وقلب الأسد بالمرطبات والأدوية والأزواد ، أثناء مرضهما « 2 » » . كذلك كتب كاتب مسيحي آخر ( اسمه يورجا ) « 3 » يقول :
هامش
( 1 ) يراجع فصل : « الفصام النكد » في كتاب : « المستقبل لهذا الدين » . « دار الشروق » . ( 2 - 3 ) نقلا عن كتاب : « الشريعة الإسلامية والقانون الدولي العام » للأستاذ علي علي منصور .
في ظلال القرآن — صفحة 1629 | سيد قطب