تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1596

مساهمون:

ص١٥٩٦
واقتضت أخيرا تطمينهم من ناحية الرزق الذي يخشون عليه من كساد الموسم وتعطل التجارة ؛ وتذكيرهم أن الرزق منوط بمشيئة اللّه لا بهذه الأسباب الظاهرة التي يظنونها :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا . وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ »
. . . ( 28 ) . وهذه التوكيدات والتقريرات ، وهذه الإيحاءات والاستثارات ، وهذه الحملة الطويلة المنوعة الأساليب . . تشي - كما أسلفنا - بحالة المجتمع المسلم بعد الفتح ، ودخول العناصر الجديدة الكثيرة فيه ؛ وبعد التوسع الأفقي السريع الذي جاء إلى المجتمع المسلم بهذه الأفواج التي لم تنطبع بعد بطابع الإسلام . . ولولا أن مجتمع المدينة كان قد وصل مع الزمن الطويل ، والتربية الطويلة إلى درجة من الاستقرار والصلابة والخلوص والاستنارة ، لكانت هذه الظواهر مثار خطر كبير على وجود الإسلام ذاته كما ذكرنا ذلك مرارا من قبل . والآن نكتفي بهذا القدر من الحديث العام عن ذلك المقطع الأول من السورة وما يشي به من حالة المجتمع في حينه ؛ لنواجه نصوصه بالتفصيل : « براءة من اللّه ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين . فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ، واعلموا أنكم غير معجزي اللّه وأن اللّه مخزي الكافرين . وأذان من اللّه ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر : أن اللّه بريء من المشركين ورسوله ، فإن تبتم فهو خير لكم ، وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي اللّه ، وبشر الذين كفروا بعذاب أليم . إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا - فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ، إن اللّه يحب المتقين . فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد ، فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ، إن اللّه غفور رحيم . وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام اللّه ، ثم أبلغه مأمنه ، ذلك بأنهم قوم لا يعلمون » . هذه الآيات - وما بعدها إلى الآية الثامنة والعشرين - نزلت تحدد العلاقات النهائية بين المجتمع الإسلامي الذي استقر وجوده في المدينة وفي الجزيرة العربية - بصفة عامة - وبين بقية المشركين في الجزيرة الذين لم يدخلوا في هذا الدين . . سواء منهم من كان له عهد مع رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فنقضه ، حينما لاح له أن مواجهة المسلمين للروم - حين توجهوا لمقابلتهم في تبوك - ستكون فيها القاضية على الإسلام وأهله ، أو على الأقل ستضعف من شوكة المسلمين وتهد من قوتهم . . ومن لم يكن له عهد ولكنه لم يتعرض للمسلمين من قبل بسوء . . ومن كان له عهد - موقوت أو غير موقوت - فحافظ على عهده ولم ينقص المسلمين شيئا ولم يظاهر عليهم أحدا . . فهؤلاء جميعا نزلت هذه الآيات وما بعدها لتحدد العلاقات النهائية بينهم وبين المجتمع المسلم ؛ في ظل الاعتبارات التي أسلفنا الحديث عنها بشيء من التوسع سواء في تقديم السورة ، أو في تقديم هذا الدرس خاصة . وأسلوب هذه الآيات وإيقاع التعبير فيها ، يأخذ شكل الإعلان العام ، ورنينه العالي ! فيتناسق أسلوب التعبير وإيقاعه مع موضوعه والجو الذي يحيط بهذا الموضوع ؛ على طريقة القرآن في التعبير « 1 » .
هامش
( 1 ) يراجع بتوسع كتاب : « التصوير الفني في القرآن » فصل « التناسق الفني » وفصل « طريق القرآن » . « دار الشروق » .