تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1593

مساهمون:

ص١٥٩٣
واقعي إلى حين ! فما تطيق المعسكرات الجاهلية طويلا أن ترى الإسلام ما يزال قائما حيالها ؛ مناقضا في أصل وجوده لأصل وجودها ؛ مخالفا لها مخالفة جذرية أصيلة في الصغيرة والكبيرة من مناهجها ، يهدد بقاءها بما في طبيعته من الحق والحيوية والحركة والانطلاق لتحطيم الطاغوت كله ، ورد الناس جميعا إلى عبادة اللّه وحده . وهذه الظاهرة الأخيرة والقاعدة الأصيلة التي تقوم عليها هي التي يقررها اللّه سبحانه في قوله عن المشركين :
« وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا »
. . . ( البقرة : 217 ) والتي يقول فيها عن أهل الكتاب :
« وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ »
. . ( البقرة : 109 ) ويقول فيها كذلك :
« وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ »
. . ( البقرة : 120 ) فيعلن - سبحانه - بهذه النصوص القطعية عن وحدة الهدف بين جميع معسكرات الجاهلية تجاه الإسلام والمسلمين ؛ وعن قوة الإصرار على هذا الهدف وامتدادها عبر الزمان ، وعدم توقيتها بظرف أو زمان ! وبدون إدراك ذلك القانون الحتمي في طبيعة العلاقات بين التجمع الإسلامي والتجمعات الجاهلية ، وتفسير الظواهر التي تنشأ عنه - على مدار التاريخ - بالرجوع إليه ، لا يمكن فهم طبيعة الجهاد في الإسلام ؛ ولا طبيعة تلك الصراعات الطويلة بين المعسكرات الجاهلية والمعسكر الإسلامي . ولا يمكن فهم بواعث المجاهدين الأوائل ، ولا أسرار الفتوحات الإسلامية ؛ ولا أسرار الحروب الوثنية والصليبية التي لم تفتر قط طوال أربعة عشر قرنا ؛ والتي ما تزال مشبوبة على ذراري المسلمين - وإن كانوا لسوء حظهم تخلوا عن حقيقة الإسلام ولم يبق لهم منه إلا العنوان - في المعسكرات الشيوعية والوثنية والصليبية كلها : في روسيا والصين ويوغسلافيا وألبانيا . وفي الهند وكشمير . وفي الحبشة وزنجبار وقبرص وكينيا وجنوب إفريقية والولايات المتحدة . . وذلك فوق عمليات السحق الوحشية البشعة لطلائع البعث الإسلامي في كل مكان في العالم الإسلامي - أو الذي كان إسلاميا بتعبير أدق - وتعاون الشيوعية والوثنية والصليبية مع الأوضاع التي تتولى سحق هذه الطلائع ، ومد يد الصداقة إليها ، وإمدادها بالمعونات التي تبلغ حد الكفالة ، وإقامة ستار من الصمت حولها وهي تسحق هذه الطلائع الكريمة ! إن شيئا من هذا كله لا يصبح مفهوما بدون إدراك ذلك القانون الحتمي والظواهر التي يتجلى فيها . . وقد تجلى ذلك القانون - كما أسلفنا - قبيل نزول سورة التوبة وبعد فتح مكة في هاتين الظاهرتين اللتين أسلفنا الحديث عنهما . وظهر بوضوح أنه لا بد من اتخاذ تلك الخطوة الحاسمة في الجزيرة سواء تجاه المشركين - وهو ما نواجهه في هذا المقطع من السورة - أو تجاه أهل الكتاب ، وهو ما سنواجهه في المقطع التالي مباشرة والذي بعده . . ولكن وضوح ذلك كله للقيادة المسلمة - حينذاك - لم يكن معناه وضوحه - بنفس الدرجة - لكل الجماعات والطوائف في المجتمع المسلم . وبخاصة لحديثي العهد بالإيمان والمؤلفة قلوبهم ، فضلا على ضعاف القلوب والمنافقين ! كان في المجتمع المسلم - ولعل بعض هؤلاء من كرام المسلمين وخيارهم - من يتحرج من إنهاء العهود مع المشركين جميعا - بعد أربعة أشهر للناكثين ومن لهم عهود غير موقتة ومن لم يحاربوا المسلمين ولو من غير عهد ومن لهم عهود أقل من أربعة ؛ وبعد انقضاء الأجل لمن لهم عهود موقوتة ولم ينقصوا المسلمين شيئا