تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1597

مساهمون:

ص١٥٩٧
وقد وردت روايات متعددة في ظروف هذا الإعلان ، وطريقة التبليغ به ، ومن قام بالتبليغ . أصحها وأقربها إلى طبائع الأشياء وأكثرها تناسقا مع واقع الجماعة المسلمة يومذاك ما قرره ابن جرير وهو يستعرض هذه الروايات . ونقتطف هنا من تعليقاته ما يمثل رؤيتنا لحقيقة الواقعة مغفلين ما لا نوافقه عليه من كلامه وما تناقض فيه بعض قوله مع بعض . إذ كنا لا نناقش الروايات المتعددة ولا نناقش تعليقات الطبري ؛ ولكن نثبت ما نرجح أنه حقيقة ما حدث من مراجعة ما ورد وتحقيقه : قال في رواية له عن مجاهد : « براءة من اللّه ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين » . . قال : أهل العهد : مدلج والعرب الذين عاهدهم ، ومن كان له عهد . قال : أقبل رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - من تبوك حين فرغ منها ، وأراد الحج ، ثم قال : إنه يحضر البيت مشركون يطوفون عراة ، فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك . فأرسل أبا بكر وعليا رحمة اللّه عليهما . فطافا بالناس ، بذي المجاز وبأمكنتهم التي كانوا يتبايعون بها ، وبالموسم كله ؛ وآذنوا أصحاب العهد بأن يأمنوا أربعة أشهر . . فهي الأشهر الحرم المنسلخات المتواليات : عشرون من آخر ذي الحجة إلى عشر يخلون من شهر ربيع الآخر . ثم لا عهد لهم . وآذن الناس كلهم بالقتال إلا أن يؤمنوا . فآمن الناس أجمعون حينئذ ، ولم يسح أحد » . وقال - بعد استعراض جملة الروايات في حقيقة الأجل ومبدئه ونهايته والمقصودين به : « وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : الأجل الذي جعله اللّه لأهل العهد من المشركين ، وأذن لهم بالسياحة فيه بقوله :
« فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ »
إنما هو لأهل العهد الذين ظاهروا على رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ونقضوا عهدهم قبل انقضاء مدته . فأما الذين لم ينقضوا عهدهم ولم يظاهروا عليه ، فإن اللّه جل ثناؤه أمر نبيه - صلى اللّه عليه وسلم - بإتمام العهد بينه وبينهم إلى مدته بقوله :
« إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ »
. . ( سورة التوبة : 4 ) . « فإن ظن ظان أن قول اللّه تعالى ذكره :
« فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ »
( سورة التوبة : 5 ) يدل على خلاف ما قلنا في ذلك ، إذ كان ذلك ينبئ على أن الفرض على المؤمنين كان بعد انقضاء الأشهر الحرم قتل كل مشرك ، فإن الأمر في ذلك بخلاف ما ظن ، وذلك أن الآية التي تتلو ذلك تبين عن صحة ما قلنا ، وفساد ما ظنه من ظن أن انسلاخ الأشهر الحرم كان يبيح قتل كل مشرك كان له عهد من رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أو لم يكن كان له منه عهد . وذلك قوله :
« كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ - إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ »
. ( سورة التوبة : 7 ) فهؤلاء مشركون ؛ وقد أمر اللّه نبيه - صلى اللّه عليه وسلم - والمؤمنين بالاستقامة لهم في عهدهم ما استقاموا لهم بترك نقض صلحهم ، وترك مظاهرة عدوهم عليهم . « وبعد ، ففي الأخبار المتظاهرة عن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : أنه حين بعث عليا رحمة اللّه عليه ببراءة إلى أهل العهود بينه وبينهم ، أمره فيما أمره أن ينادي به فيهم : « ومن كان بينه وبين رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - عهد فعهده إلى مدته » ، أوضح الدليل على صحة ما قلنا . وذلك أن اللّه لم يأمر نبيه - صلى اللّه عليه وسلم - بنقض عهد قوم كان عاهدهم إلى أجل فاستقاموا على عهدهم بترك نقضه ، وأنه إنما أجل أربعة أشهر من كان قد نقض قبل التأجيل ، أو من كان له عهد إلى أجل غير محدود . فأما من كان أجله محدودا ، ولم يجعل بنقضه على نفسه سبيلا ، فإن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - كان بإتمام