تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1598

مساهمون:

ص١٥٩٨
عهده إلى غايته مأمورا . وبذلك بعث مناديه ينادي به في أهل الموسم من العرب » . وقال في تعقيب آخر على الروايات المتعددة في شأن العهود : « فقد أنبأت هذه الأخبار ونظائرها عن صحة ما قلنا ، وأن أجل الأشهر الأربعة إنما كان لمن وصفنا . فأما من كان عهده إلى مدة معلومة فلم يجعل لرسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وللمؤمنين لنقضه ومظاهرة أعدائهم سبيلا ، فإن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قد وفى له بعهده إلى مدته ، عن أمر اللّه إياه بذلك . وعلى ذلك ظاهر التنزيل ، وتظاهرت به الأخبار عن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - » . وإذا نحن تركنا الروايات التي بها ضعف ، وما يمكن أن يكون قد تركه الخلاف السياسي - فيما بعد - بين شيعة علي - رضي اللّه عنه - وأنصار الأمويين ، أو أهل السنة ، من الأثر في بعض الروايات ؛ فإننا نستطيع أن نقول : إن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بعث بأبي بكر - رضي اللّه عنه - أميرا للحج في هذا العام لما كرهه من الحج والمشركون يطوفون بالبيت عراة . ثم نزلت أوائل سورة التوبة هذه ؛ فبعث بها عليا - رضي اللّه عنه - في أثر أبي بكر . فأذن بها في الناس - بكل ما تضمنته من أحكام نهائية ومنها ألا يطوف بعد العام بالبيت مشرك . وقد روى الترمذي في كتاب التفسير - بإسناده - عن علي قال : « بعثني النبي - صلى اللّه عليه وسلم - حين أنزلت « براءة » بأربع . أن لا يطف بالبيت عريان ، ولا يقرب المسجد الحرام مشرك بعد عامهم هذا ، ومن كان بينه وبين رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - عهد فهو إلى مدته ، ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة » . . . وهذا الخبر هو أصح ما ورد في هذا الباب . فنكتفي به .
« بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ »
. . هذا الإعلان العام ، بهذا الإيقاع العالي ؛ يتضمن المبدأ العام للعلاقة بين المسلمين والمشركين في ذلك الحين في جزيرة العرب قاطبة . إذ كانت العهود المشار إليها هي التي كانت بين رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - والمشركين في الجزيرة . والإعلان ببراءة اللّه وبراءة رسوله من المشركين ، يحدد موقف كل مسلم ؛ ويوقع إيقاعا عميقا عنيفا على قلب كل مسلم ، بحيث لا يبقى بعد ذلك مراجعة ولا تردد ! ثم تأتي بعد الإعلان العام البيانات والمخصصات والشروح لهذا الإعلان :
« فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ، وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ »
. . فهذا بيان للمهلة التي أجل اللّه المشركين إليها : أربعة أشهر يسيرون فيها ويتنقلون ويتاجرون ويصفون حساباتهم ، ويعدّلون أوضاعهم . . آمنين . . لا يؤخذون على غرة وهم آمنون إلى عهودهم . حتى أولئك الذين نقضوا عهودهم عند أول بادرة لاحت لهم ، وعند أول توقع بأن الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - والمؤمنين لن ينقلبوا إلى أهليهم من تبوك ؛ وأن الروم سيأخذونهم أسرى ! كما توقع المرجفون في المدينة والمنافقون ! ومتى كان ذلك ؟ كان بعد فترة طويلة من العهود التي ما تكاد تبرم حتى تنقض ؛ وبعد سلسلة طويلة من التجارب التي تقطع بأن المشركين لن يزالوا يقاتلون المسلمين حتى يردوهم عن دينهم إن استطاعوا . . وفي أي عصر تاريخي ؟ في العصر الذي لم تكن البشرية كلها تعرف لها قانونا إلا قانون الغابة ؛ ولم يكن بين المجتمعات المختلفة إلا القدرة على الغزو أو العجز عنه ! بلا إنذار ولا إخطار ولا رعاية لعهد متى سنحت
في ظلال القرآن — صفحة 1598 | سيد قطب