تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1554

مساهمون:

ص١٥٥٤
لقد خانوا اللّه فأشركوا به غيره ، ولم يفردوه سبحانه بالربوبية ، وهو قد أخذ العهد على فطرتهم فخانوا عهده . فإن أرادوا خيانة رسوله - صلى اللّه عليه وسلم - وهم أسرى في يديه ، فليذكروا عاقبة خيانتهم الأولى التي أوقعتهم في الأسر ، ومكنت منهم رسول اللّه وأولياءه . . واللّه « عليم » بسرائرهم « حكيم » في إيقاع العقاب بهم :
« وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ »
. . قال القرطبي في التفسير ، قال ابن العربي : لما أسر من أسر من المشركين ، تكلم قوم منهم بالإسلام ، ولم يمضوا فيه عزيمة ، ولا اعترفوا به اعترافا جازما . ويشبه أنهم أرادوا أن يقربوا من المسلمين ولا يبعدوا من المشركين - قال علماؤنا : إن تكلم الكافر بالإيمان في قلبه وبلسانه ولم يمض فيه عزيمة لم يكن مؤمنا . وإذا وجد مثل ذلك من المؤمن كان كافرا . إلا ما كان من الوسوسة التي لا يقدر على دفعها ، فإن اللّه قد عفا عنها وأسقطها . وقد بين اللّه لرسوله - صلى اللّه عليه وسلم - الحقيقة فقال : « وإن يريدوا خيانتك » . أي إن كان هذا القول منهم خيانة ومكرا « فقد خانوا اللّه من قبل » بكفرهم ومكرهم بك وقتالهم لك . وإن كان هذا القول منهم خيرا ، ويعلمه اللّه ، فيقبل منهم ذلك ويعوضهم خيرا مما خرج عنهم : ويغفر لهم ما تقدم من كفرهم وخيانتهم ومكرهم . وأخيرا يختم هذا الدرس ، وتختم السورة معه ، ببيان طبيعة العلاقات في المجتمع المسلم ، وطبيعة العلاقات بينه وبين المجتمعات الأخرى ؛ وبيان الأحكام المنظمة لهذه العلاقات وتلك ؛ ومنه تتبين طبيعة المجتمع المسلم ذاته ؛ والقاعدة التي ينطلق منها والتي يقوم عليها كذلك . . إنها ليست علاقات الدم ، ولا علاقات الأرض ، ولا علاقات الجنس ، ولا علاقات التاريخ ، ولا علاقات اللغة ، ولا علاقات الاقتصاد . . ليست هي القرابة ، وليست هي الوطنية ، وليست هي القومية ، وليست هي المصالح الاقتصادية . . إنما هي علاقة العقيدة ، وعلاقة القيادة ، وعلاقة التنظيم الحركي . . فالذين آمنوا وهاجروا إلى دار الهجرة والإسلام ، متجردين من كل ما يمسكهم بأرضهم وديارهم وقومهم ومصالحهم ، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل اللّه ؛ والذين آووهم ونصروهم ودانوا معهم لعقيدتهم وقيادتهم في تجمع حركي واحد ، أولئك بعضهم أولياء بعض . . والذين آمنوا ولم يهاجروا ليس بينهم وبين المجتمع المسلم ولاية ؛ لأنهم لم يتجردوا بعد للعقيدة ، ولم يدينوا بعد للقيادة ؛ ولم يلتزموا بعد بتعليمات التجمع الحركي الواحد . . وفي داخل هذا التجمع الحركي الواحد تعتبر قرابة الدم أولى في الميراث وغيره . . والذين كفروا بعضهم أولياء بعض كذلك . . هذه هي الخطوط الرئيسية في العلاقات والارتباطات ، كما تصورها هذه النصوص الحاسمة :
« إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ . وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا . وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ . . فِي الدِّينِ . . فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ - إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ - وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ . وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ . . إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ . . وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ، لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ . وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ . وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ »
. . والولاية بين المسلمين في إبان نشأة المجتمع المسلم إلى يوم بدر ، كانت ولاية توارث وتكافل في الديات
في ظلال القرآن — صفحة 1554 | سيد قطب