تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1556

مساهمون:

ص١٥٥٦
شؤون هذه الحياة ، تنسيقا بين الجانب الإرادي في حياتهم والجانب الفطري ، وتنسيقا بين وجودهم كله بشطريه هذين وبين الوجود الكوني « 1 » . . ولكن الجاهلية التي تقوم على حاكمية البشر للبشر ، والشذوذ بهذا عن الوجود الكوني ؛ والتصادم بين منهج الجانب الإرادي في حياة الإنسان والجانب الفطري . . هذه الجاهلية التي واجهها كل رسول بالدعوة إلى الإسلام للّه وحده . والتي واجهها رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بدعوته . . هذه الجاهلية لم تكن متمثلة في « نظرية » مجردة . بل ربما أحيانا لم تكن لها « نظرية » على الإطلاق ! إنما كانت متمثلة دائما في تجمع حركي . متمثلة في مجتمع ، خاضع لقيادة هذا المجتمع ، وخاضع لتصوراته وقيمه ومفاهيمه ومشاعره وتقاليده وعاداته ، وهو مجتمع عضوي بين أفراده ذلك التفاعل والتكامل والتناسق والولاء والتعاون العضوي ، الذي يجعل هذا المجتمع يتحرك - بإرادة واعية أو غير واعية - للمحافظة على وجوده ؛ والدفاع عن كيانه والقضاء على عناصر الخطر التي تهدد ذلك الوجود وهذا الكيان في أية صورة من صور التهديد . ومن أجل أن الجاهلية لا تتمثل في « نظرية » مجردة ، ولكن تتمثل في تجمع حركي على هذا النحو ؛ فإن محاولة إلغاء هذه الجاهلية ، ورد الناس إلى اللّه مرة أخرى ، لا يجوز - ولا يجدي شيئا - أن تتمثل في « نظرية » مجردة . فإنها حينئذ لا تكون مكافئة للجاهلية القائمة فعلا والمتمثلة في تجمع حركي عضوي ، فضلا على أن تكون متفوقة عليها كما هو المطلوب في حالة محاولة إلغاء وجود قائم بالفعل ، لإقامة وجود آخر يخالفه مخالفة أساسية في طبيعته وفي منهجه وفي كلياته وجزئياته . بل لا بد لهذه المحاولة الجديدة أن تتمثل في تجمع عضوي حركي أقوى في قواعده النظرية والتنظيمية ، وفي روابطه وعلاقاته ووشائجه من ذلك التجمع الجاهلي القائم فعلا . والقاعدة النظرية التي يقوم عليها الإسلام - على مدار التاريخ البشري - هي قاعدة : « شهادة أن لا إله إلا اللّه » . أي إفراد اللّه - سبحانه - بالألوهية والربوبية والقوامة والسلطان والحاكمية . . إفراده بها اعتقادا في الضمير ، وعبادة في الشعائر ، وشريعة في واقع الحياة . فشهادة أن لا إله إلا اللّه ، لا توجد فعلا ؛ ولا تعتبر موجودة شرعا إلا في هذه الصورة المتكاملة التي تعطيها وجودا جديا حقيقيا يقوم عليه اعتبار قائلها مسلما أو غير مسلم . . ومعنى تقرير هذه القاعدة من الناحية النظرية . . أن تعود حياة البشر بجملتها إلى اللّه ، لا يقضون هم في أي شأن من شؤونها ، ولا في أي جانب من جوانبها ، من عند أنفسهم ؛ بل لا بد لهم أن يرجعوا إلى حكم اللّه فيها ليتبعوه . . وحكم اللّه هذا يجب أن يعرفوه من مصدر واحد يبلغهم إياه ؛ وهو رسول اللّه . . وهذا يتمثل في شطر الشهادة الثاني من ركن الإسلام الأول : « شهادة أن محمدا رسول اللّه » . هذه هي القاعدة النظرية التي يتمثل فيها الإسلام ويقوم عليها - وهي تنشئ منهجا كاملا للحياة حين تطبق في شؤون الحياة كلها ؛ يواجه به المسلم كل فرع من فروع الحياة الفردية والجماعية ، في داخل دار الإسلام وخارجها ؛ في علاقاته بالمجتمع المسلم وفي علاقات المجتمع المسلم بالمجتمعات الأخرى « 2 » . .
هامش
( 1 ) يراجع بتوسع في هذه النقطة كتاب : « مبادئ الإسلام » للسيد أبو الأعلى المودودي أمير الجماعة الإسلامية في باكستان . كما يراجع فصل : « شريعة كونية » في كتاب « معالم في الطريق » . « دار الشروق » . ( 2 ) يراجع فصل : « لا إله إلا اللّه منهج حياة » في كتاب : « معالم في الطريق » . « دار الشروق » .
في ظلال القرآن — صفحة 1556 | سيد قطب