تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1553

مساهمون:

ص١٥٥٣
ولقد سبق قضاء اللّه بأن يغفر لأهل بدر ما يفعلون ؛ فوقاهم سبق قضائه فيهم ما كان يستحقه أخذهم الفداء من العذاب العظيم ! ثم زادهم اللّه فضلا ومنه ؛ فجعل غنائم الحرب حلالا لهم - ومنها هذه الفدية التي عوتبوا فيها - وكانت محرمة في الديانات قبلهم على أتباع الرسل - مذكرا إياهم بتقوى اللّه ، وهو يذكر لهم رحمته ومغفرته ، لتتوازن مشاعرهم تجاه ربهم ، فلا تغرهم المغفرة والرحمة ، ولا تنسيهم التقوى والتحرج والمخافة :
« فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً ، وَاتَّقُوا اللَّهَ ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ »
. . ثم يلمس قلوب الأسرى لمسة تحيي فيها الرجاء ، وتطلق فيها الأمل ، وتشيع فيها النور ، وتعلقها بمستقبل خير من الماضي ، وبحياة أكرم مما كانوا فيه ، وبكسب أرجح مما فقدوا من مال وديار . وبعد ذلك كله بالمغفرة والرحمة من اللّه :
« يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى : إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ »
. . هذا الخير كله معلق بأن تصلح قلوبهم فتتفتح لنور الإيمان ؛ فيعلم اللّه أن فيها خيرا . . والخير هو الإيمان حتى ما يحتاج إلى ذكر وتنصيص . الخير محض الخير ، والذي لا يسمى شيء ما خيرا إلا أن يستمد منه وينبثق منه ويقوم عليه . إن الإسلام إنما يستبقي الأسرى لديه ، ليلمس في قلوبهم مكامن الخير والرجاء والصلاح ، وليوقظ في فطرتهم أجهزة الاستقبال والتلقي والتأثر والاستجابة للهدى . لا ليستذلهم انتقاما ، ولا ليسخرهم استغلالا ؛ كما كانت تتجه فتوحات الرومان ؛ وكما تتجه فتوحات الأجناس والأقوام ! عن الزهري عن جماعة سماهم قال : بعثت قريش في فداء أسراهم ، ففدى كل قوم أسيرهم بما رضوا . وقال العباس : يا رسول اللّه قد كنت مسلما ! فقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : اللّه أعلم بإسلامك ، فإن تكن كما تقول فإن اللّه يجزيك ، وأما ظاهرك فقد كان علينا ، فافتد نفسك وابني أخيك نوفل بن الحارث ابن عبد المطلب ، وعقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب ، وحليفك عتبة بن عمرو أخي بني الحارث بن فهر » : قال : ما ذاك عندي يا رسول اللّه ! قال : « فأين المال الذي دفنته أنت وأم الفضل ، قلت لها : إن أصبت في سفري هذا فهذا المال الذي دفنته لبني الفضل وعبد اللّه وقثم ؟ » . قال : « واللّه يا رسول اللّه إني لأعلم أنك رسول اللّه . إن هذا لشيء ما علمه أحد غيري وغير أم الفضل . فاحسب لي يا رسول اللّه ما أصبتم مني - عشرين أوقية من مال كان معي ! - فقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « لا . ذاك شيء أعطانا اللّه تعالى منك » . ففدى نفسه وبني أخويه وحليفه . فأنزل اللّه عزّ وجل :
« يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ »
. . قال العباس : فأعطاني اللّه مكان العشرين الأوقية في الإسلام عشرين عبدا كلهم في يده مال يضرب به ، مع ما أرجو من مغفرة اللّه عزّ وجل . وفي الوقت الذي يفتح اللّه للأسارى نافذة الرجاء المشرق الرحيم ، يحذرهم خيانة الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - كما خانوا اللّه من قبل فلاقوا هذا المصير :
« وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ »
. .