تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1505

مساهمون:

ص١٥٠٥
وحده مصدر التوجيه ؛ وهي ترتقب وعد اللّه لها بالنصر والتمكين . من وراء الكيد والسحق والقتل والتشريد . . وما كان مرة لا بد أن سيكون . . ثم يمضي السياق يصف العجب العاجب من عناد المشركين في وجه الحق الذي يغالبهم فيغلبهم ؛ فإذا الكبرياء تصدهم عن الاستسلام له والإذعان لسلطانه ؛ وإذا بهم يتمنون على اللّه - إن كان هذا هو الحق من عنده - أن يمطر عليهم حجارة من السماء ، أو أن يأتيهم بعذاب أليم . بدلا من أن يسألوا اللّه أن يرزقهم اتباع هذا الحق والوقوف في صفه :
« وَإِذْ قالُوا : اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ ، فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ ، أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ »
. . وهو دعاء غريب ؛ يصور حالة من العناد الجامح الذي يؤثر الهلاك على الإذعان للحق ، حتى ولو كان حقا ! . . إن الفطرة السليمة حين تشك تدعو اللّه أن يكشف لها عن وجه الحق ، وأن يهديها إليه ، دون أن تجد في هذا غضاضة . ولكنها حين تفسد بالكبرياء الجامحة ، تأخذها العزة بالإثم ، حتى لتؤثر الهلاك والعذاب ، على أن تخضع للحق عندما يكشف لها واضحا لا ريب فيه . . وبمثل هذا العناد كان المشركون في مكة يواجهون دعوة رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ولكن هذه الدعوة هي التي انتصرت في النهاية في وجه هذا العناد الجامح الشموس ! ويعقب السياق على هذا العناد ، وعلى هذا الادعاء ، بأنهم مع استحقاقهم لإمطار الحجارة عليهم من السماء وللعذاب الأليم الذي طلبوه - إن كان هذا هو الحق من عنده - وإنه للحق . . مع هذا فإن اللّه قد أمسك عنهم عذاب الاستئصال الذي أخذ به المكذبين قبلهم . لأن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بينهم ، ولا يزال يدعوهم إلى الهدى . واللّه لا يعذبهم عذاب الاستئصال والرسول فيهم . كما أنه لا يعذبهم هذا العذاب على معاصيهم إذا كانوا يستغفرون منها ؛ وليس تأخير العذاب عنهم لمجرد أنهم أهل هذا البيت . فهم ليسوا بأولياء هذا البيت إنما أولياؤه المتقون :
« وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ، وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ . وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ، وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ ، إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ ، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ . وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً . فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ »
. . إنها رحمة اللّه تمهلهم فلا يأخذهم اللّه بعنادهم ؛ ولا يأخذهم بصدهم عن المسجد الحرام - وقد كانوا يمنعون المسلمين أن يحجوا إليه ، وهم لا يمنعون أحدا ولا يهيجونه عنه ! إنها رحمة اللّه تمهلهم عسى أن يستجيب للهدى منهم من تخالط بشاشة الإيمان قلبه - ولو بعد حين - وما دام الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - بينهم ، يدعوهم ، فهنالك توقع لاستجابة البعض منهم ؛ فهم إكراما لوجود رسول اللّه بينهم يمهلون . والطريق أمامهم لاتقاء عذاب الاستئصال دائما مفتوح إذا هم استجابوا واستغفروا عما فرط منهم وأنابوا :
« وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ، وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ »
. . فأما لو عاملهم اللّه بما هم فيه فهم مستحقون لهذا العذاب :