تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1506

مساهمون:

ص١٥٠٦
« وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ . وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ . إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ . وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ »
. . إنه لا يمنع العذاب عنهم ما يدعونه من أنهم ورثة إبراهيم وسدنة بيت اللّه الحرام . . فهذه ليست سوى دعوى لا أساس لها من الواقع . إنهم ليسوا أولياء هذا البيت ولا أصحابه . إنهم أعداء هذا البيت وغاصبوه ! إن بيت اللّه الحرام ليس تركة يرثها الخلف عن السلف . إنه بيت اللّه يرثه أولياء اللّه المتقون للّه . . ومثله دعواهم أنهم ورثة إبراهيم - عليه السلام - فوراثة إبراهيم ليست وراثة دم ونسب ؛ إنما هي وراثة دين وعقيدة . والمتقون هم ورثة إبراهيم وبيت اللّه الذي بناه للّه ؛ فإذا هم يصدون عنه أولياءه الحقيقيين المؤمنين بدين إبراهيم ! إنهم ليسوا أولياء لهذا البيت وإن كانوا يصلون عنده صلاتهم . فما هذه بصلاة ! إنما كانت صفيرا بالأفواه وتصفيقا بالأيدي ، وهرجا ومرجا لا وقار فيه ، ولا استشعار لحرمة البيت ، ولا خشوع لهيبة اللّه . عن ابن عمر - رضي اللّه عنه - أنه قال : إنهم كانوا يضعون خدودهم على الأرض ، ويصفقون ويصفرون . وإن هذا ليخطر بالبال صور العازفين المصفقين الصاخبين الممرغين خدودهم على الأعتاب والمقامات اليوم في كثير من البلاد التي يسمونها « بلاد المسلمين » ! إنها الجاهلية تبرز في صورة من صورها الكثيرة . بعد ما برزت في صورتها الواضحة الكبيرة : صورة ألوهية العبيد في الأرض ، وحاكميتهم في حياة الناس . . وإذا وقعت هذه فكل صور الجاهلية الأخرى إنما هي تبع لها ، وفرع منها !
« فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ »
. . وهو ذلك العذاب الذي نزل بهم في بدر بأيدي العصبة المسلمة . فأما العذاب الذي طلبوه - عذاب الاستئصال المعروف - فهو مؤجل عنهم ، رحمة من اللّه بهم ، وإكراما لنبيه - صلى اللّه عليه وسلم - ومقامه فيهم ، عسى أن ينتهي بهم الأمر إلى التوبة والاستغفار مما هم فيه . والكفار ينفقون أموالهم ليتعاونوا على الصد عن سبيل اللّه . . هكذا فعلوا يوم بدر ، على نحو ما ذكرنا في سياق الحديث عن الموقعة من كتب السيرة . . وهكذا ظلوا بعد بدر يستعدون للوقعة التالية . واللّه ينذرهم بالخيبة فيما يبغون وبالحسرة على ما ينفقون ، ويعدهم الهزيمة في الدنيا وعذاب جهنم في الآخرة :
« إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ . فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ؛ ثُمَّ يُغْلَبُونَ ؛ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ . لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ ، فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً ، فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ ، أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ »
. . روى محمد بن إسحاق عن الزهري وغيره قالوا : لما أصيبت قريش يوم بدر ، ورجع فلهم - أي جيشهم المهزوم - إلى مكة ؛ ورجع أبو سفيان بعيره ، مشى عبد اللّه بن ربيعة ، وعكرمة بن أبي جهل ، وصفوان بن أمية ، في رجال من قريش أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر ، فكلموا أبا سفيان بن حرب ، ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة ، فقالوا : يا معشر قريش ، إن محمدا قد وتركم وقتل خياركم ! فأعينونا بهذا المال على حربه ، لعلنا أن ندرك منه ثأرا بمن أصيب منا . ففعلوا . فقال : ففيهم - كما ذكر ابن عباس - أنزل اللّه عزّ وجل :
« إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ . . . »
. وليس هذا الذي حدث قبل بدر وبعدها إلا نموذجا من الأسلوب التقليدي لأعداء هذا الدين . . إنهم ينفقون أموالهم ، ويبذلون جهودهم ، ويستنفدون كيدهم ، في الصد عن سبيل اللّه ، وفي إقامة العقبات في وجه هذا