تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1507

مساهمون:

ص١٥٠٧
الدين . وفي حرب العصبة المسلمة في كل أرض وفي كل حين . . إن المعركة لن تكف . وأعداء هذا الدين لن يدعوه في راحة . ولن يتركوا أولياء هذا الدين في أمن . وسبيل هذا الدين هو أن يتحرك ليهاجم الجاهلية ، وسبيل أوليائه أن يتحركوا لتحطيم قدرة الجاهلية على العدوان ؛ ثم لإعلاء راية اللّه حتى لا يجرؤ عليها الطاغوت . واللّه - سبحانه - ينذر الكفار الذين ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل اللّه بأنها ستعود عليهم بالحسرة . . إنهم سينفقونها لتضيع في النهاية ، وليغلبوا هم وينتصر الحق في هذه الدنيا . وسيحشرون في الآخرة إلى جهنم ، فتتم الحسرة الكبرى . . ذلك . .
« لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ، وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ ، فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً ؛ فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ »
. . فكيف ؟ إن هذا المال الذي ينفق يؤلب الباطل ويملي له في العدوان ؛ فيقابله الحق بالكفاح والجهاد ؛ وبالحركة للقضاء على قدرة الباطل على الحركة . . وفي هذا الاحتكاك المرير ، تنكشف الطباع ، ويتميز الحق من الباطل ، كما يتميز أهل الحق من أهل الباطل - حتى بين الصفوف التي تقف ابتداء تحت راية الحق قبل التجربة والابتلاء ! - ويظهر الصامدون الصابرون المثابرون الذين يستحقون نصر اللّه ، لأنهم أهل لحمل أماناته ، والقيام عليها ، وعدم التفريط فيها تحت ضغط الفتنة والمحنة . . عند ذلك يجمع اللّه الخبيث على الخبيث ، فيلقي به في جهنم . . وتلك غاية الخسران . . والتعبير القرآني يجسم الخبيث حتى لكأنه جرم ذو حجم ، وكأنما هو كومة من الأقذار ، يقذف بها في النار ، دون اهتمام ولا اعتبار !
« فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ »
. . وهذا التجسيم يمنح المدلول وقعا أعمق في الحس . . وتلك طريقة القرآن الكريم في التعبير والتأثير . . وعندما يصل السياق إلى هذا التقرير الحاسم ، عن مصير الكفر المتعاون ، ونهاية الخبث المتراكم ، يتجه بالخطاب إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - لينذر الكافرين إنذاره الأخير ، ويتجه بالخطاب كذلك إلى الجبهة المسلمة يأمرها بالقتال حتى لا تكون في الأرض فتنة ، وحتى يكون الدين كله للّه ، ويطمئن العصبة المسلمة المجاهدة إلى أن اللّه مولاها ونصيرها ، فلا غالب لها من الناس بحرب ولا بكيد ، واللّه وليها الناصر المعين :
« قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا : إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ ، وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ . وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ، فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ . وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ ، نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ »
. . قل للذين كفروا - في ضوء ما سبق من قرار الخالق الجبار عن خيبتهم في جمعهم ، وحسرتهم على ما أنفقوا ، وصيرورتهم بعد الخزي والحسرة في الدنيا إلى أن يركم الخبيث منهم على الخبيث فيجعل الخبيث كله في جهنم . .