تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1451

مساهمون:

ص١٤٥١
التي يعتقدها غرما ونهبا لأموال الناس ، والقضايا التي يحسبها جائرة عن الحق وافتئاتا على العدل ، والنظم التي يعرف أنها مبعث الفساد في الأرض ، ومناهج التعليم التي يجزم بوخامة عاقبتها وسوء نتائجها ، ويرى فيها هلاكا للأمة . . يجد كل هذه مهيمنة عليه ، ومسيطرة على بيئته وأهله وأولاده ، بحيث لا يمكنه أن يتخلص من قيودها وينجو بنفسه وأهله من أثرها ونفوذها . فالذي يؤمن بعقيدة ونظام - فردا كان أو جماعة - مضطر بطبيعة عقيدته وإيمانه بها أن يسعى سعيه في القضاء على نظم الحكم القائمة على فكرة غير فكرته ، ويبذل الجهد المستطاع في إقامة نظام للحكم مستند إلى الفكرة التي يؤمن بها ؛ ويعتقد أن فيها سعادة للبشر . لأنه لا يتسنى له العمل بموجب عقيدته والسير على منهاجه إلا بهذا الطريق . وإذا رأيت رجلا لا يسعى وراء غايته ، أو يغفل عن هذا الواجب ، فاعلم أنه كاذب في دعواه . ولما يدخل الإيمان في قلبه . وبهذا المعنى ورد في التنزيل :
« عَفَا اللَّهُ عَنْكَ . لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ ؟ لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ . وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ . . إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ . وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ »
. . . ( التوبة : 43 - 45 ) . « وأي شهادة أصدق ؛ وأي حجة أنصع ؛ من شهادة القرآن وحجته ؛ ففي هذه الآيات من سورة براءة قد نص القرآن الكريم على أن الذي لا يلبي نداء الجهاد ؛ ولا يجاهد بماله ونفسه في سبيل إعلاء كلمة اللّه ، وإقامة الدين الذي ارتضاه لنفسه ، وتوطيد نظام الحكم المبني على قواعده ، فهو في عداد الذين لا يؤمنون باللّه واليوم الآخر ، وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون . . . « لعلك تبينت مما أسلفنا آنفا أن غاية (
Objective
) الجهاد في الإسلام ، هي هدم بنيان النظم المناقضة لمبادئه ، وإقامة حكومة مؤسسة على قواعد الإسلام في مكانها واستبدالها بها . وهذه المهمة . . مهمة إحداث انقلاب إسلامي عام . غير منحصرة في قطر دون قطر . بل مما يريده الإسلام ، ويضعه نصب عينيه أن يحدث هذا الانقلاب الشامل في جميع أنحاء المعمورة . . هذه غايته العليا ، ومقصده الأسمى الذي يطمح إليه ببصره . إلا أنه لا مندوحة للمسلمين ، أو أعضاء « الحزب الإسلامي » عن الشروع في مهمتهم بإحداث الانقلاب المنشود ، والسعي وراء تغيير نظم الحكم في بلادهم التي يسكنونها . أما غايتهم العليا وهدفهم الأسمى فهو الانقلاب العالمي الشامل (
World . Revolution
) المحيط بجميع أنحاء الأرض . وذلك أن فكرة انقلابية لا تؤمن بالقومية ، بل تدعو الناس جميعا إلى سعادة البشر وفلاح الناس أجمعين ، لا يمكنها أصلا أن تضيق دائرة عملها في نطاق محدود من أمة أو قطر . بل الحق أنها مضطرة بسجيتها وجبلتها أن تجعل الانقلاب العالمي غايتها التي تضعها نصب عينها ، ولا تغفل عنها طرفة عين . فإن الحق يأبى الحدود الجغرافية ، ولا يرضى أن ينحصر في حدود ضيقة اخترعها علماء الجغرافية واصطلحوا عليها . فالحق يتحدى العقول البشرية النزيهة . ويقول لها مطالبا بحقه : ما بالكم تقولون : إن القضية الفلانية « حق » في هذا الجانب من ذاك الجبل أو النهر مثلا ، ثم تعود القضية نفسها « باطلا » - بزعمكم - إذا جاوزنا ذاك الجبل أو النهر بأذرع ؟ ! الحق حق في كل حال وفي كل مكان ! وأي تأثير للجبال والأنهار في تغيير حقيقته المعنوية ؟ ! الحق ظله وارف ، وخيره عام شامل ، لا يختص ببيئة دون بيئة ، ولا قطر دون قطر . فأينما وجد « الإنسان » مقهورا فالحق من واجبه أن يدركه ويأخذ بحقه وينتصر له . ومهما أصيبت « الإنسانية » في أبنائها المستضعفين ، فعلى العدل ومبادئه
في ظلال القرآن — صفحة 1451 | سيد قطب