ولقد كف اللّه المسلمين عن القتال في مكة ؛ وفي أول العهد بالهجرة إلى المدينة . . وقيل للمسلمين :
« كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ »
. . ثم أذن لهم فيه ، فقيل لهم :
« أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ، وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ - إِلَّا أَنْ يَقُولُوا : رَبُّنَا اللَّهُ . وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً ، وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ . الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ »
. . ثم فرض عليهم القتال بعد ذلك لمن قاتلهم دون من لم يقاتلهم فقيل لهم :
« وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ »
. . ثم فرض عليهم قتال المشركين كافة فقيل لهم :
« وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً »
. . وقيل لهم :
« قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ، حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ »
. .
فكان القتال - كما يقول الإمام ابن القيم - « محرما ، ثم مأذونا به ، ثم مأمورا به لمن بدأهم بالقتال ، ثم مأمورا به لجميع المشركين » . .
إن جدية النصوص القرآنية الواردة في الجهاد ؛ وجدية الأحاديث النبوية التي تحض عليه ؛ وجدية الوقائع الجهادية في صدر الإسلام ، وعلى مدى طويل من تاريخه . . إن هذه الجدية الواضحة تمنع أن يجول في النفس ذلك التفسير الذي يحاوله المهزومون أمام ضغط الواقع الحاضر وأمام الهجوم الاستشراقي الماكر على الجهاد الإسلامي ! ومن ذا الذي يسمع قول اللّه سبحانه في هذا الشأن وقول رسوله - صلى اللّه عليه وسلم - ويتابع وقائع الجهاد الإسلامي ؛ ثم يظنه شأنا عارضا مقيدا بملابسات تذهب وتجيء ؛ ويقف عند حدود الدفاع لتأمين الحدود ؟ ! لقد بين اللّه للمؤمنين في أول ما نزل من الآيات التي أذن لهم فيها بالقتال أن الشأن الدائم الأصيل في طبيعة هذه الحياة الدنيا أن يدفع الناس بعضهم ببعض ، لدفع الفساد عن الأرض :
« أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ، وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ . الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ . وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً »
. . وإذن فهو الشأن الدائم لا الحالة العارضة . الشأن الدائم أن لا يتعايش الحق والباطل في هذه الأرض . وأنه متى قام الإسلام بإعلانه العام لإقامة ربوبية اللّه للعالمين ، وتحرير الإنسان من العبودية للعباد ، رماه المغتصبون لسلطان اللّه في الأرض ولم يسالموه قط ؛ وانطلق هو كذلك يدمر عليهم ليخرج الناس من سلطانهم ويدفع عن « الإنسان » في « الأرض » ذلك السلطان الغاصب . . حال دائمة لا يكف معها الانطلاق الجهادي التحريري حتى يكون الدين كله للّه .
إن الكف عن القتال في مكة لم يكن إلا مجرد مرحلة في خطة طويلة . كذلك كان الأمر أول العهد بالهجرة .
والذي بعث الجماعة المسلمة في المدينة بعد الفترة الأولى للانطلاق لم يكن مجرد تأمين المدينة . . هذا هدف أولي لا بد منه . . ولكنه ليس الهدف الأخير . . إنه هدف يضمن وسيلة الانطلاق ؛ ويؤمن قاعدة الانطلاق . .
الانطلاق لتحرير « الإنسان » ، ولإزالة العقبات التي تمنع « الإنسان » ذاته من الانطلاق ! وكف أيدي المسلمين في مكة عن الجهاد بالسيف مفهوم . لأنه كان مكفولا للدعوة في مكة حرية البلاغ . .
كان صاحبها - صلى اللّه عليه وسلم - يملك بحماية سيوف بني هاشم ، أن يصدع بالدعوة ؛ ويخاطب بها الآذان والعقول والقلوب ؛ ويواجه بها الأفراد . . لم تكن هناك سلطة سياسية منظمة تمنعه من إبلاغ الدعوة ، أو تمنع الأفراد من سماعه ! فلا ضرورة - في هذه المرحلة - لاستخدام القوة . وذلك إلى أسباب أخرى لعلها