تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1427

مساهمون:

ص١٤٢٧
بالقلب والجنان . فذكر اللّه إن لم يرتعش له الوجدان ، وإن لم يخفق له القلب ، وإن لم تعش به النفس . . إن لم يكن مصحوبا بالتضرع والتذلل والخشية والخوف . . لن يكون ذكرا . . بل قد يكون سوء أدب في حق اللّه سبحانه . إنما هو التوجه إلى اللّه بالتذلل والضراعة ، وبالخشية والتقوى . . إنما هو استحضار جلال اللّه وعظمته ، واستحضار المخافة لغضبه وعقابه ، واستحضار الرجاء فيه والالتجاء إليه . . حتى يصفو الجوهر الروحي في الإنسان ، ويتصل بمصدره اللدني الشفيف المنير . . فإذا تحرك اللسان مع القلب ؛ وإذا نبست الشفاه مع الروح ؛ فليكن ذلك في صورة لا تخدش الخشوع ولا تناقض الضراعة . ليكن ذلك في صوت خفيض ، لا مكاء وتصدية ، ولا صراخا وضجة ، ولا غناء وتطرية ! « واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول » . . « بالغدو والآصال » . في مطالع النهار وفي أواخره . فيظل القلب موصولا باللّه طرفي النهار . وذكر اللّه لا يقتصر على هذه الآونة ، فذكر اللّه ينبغي أن يكون في القلب في كل آن ؛ ومراقبة اللّه يجب أن تكون في القلب في كل لحظة . ولكن هذين الآنين إنما تطالع فيهما النفس التغير الواضح في صفحة الكون . . من ليل إلى نهار . . ومن نهار إلى ليل . ويتصل فيهما القلب بالوجود من حوله ؛ وهو يرى يد اللّه تقلب الليل والنهار ؛ وتغير الظواهر والأحوال . . وإن اللّه - سبحانه - ليعلم أن القلب البشري يكون في هذين الآنين أقرب ما يكون إلى التأثر والاستجابة . . ولقد كثر في القرآن التوجيه إلى ذكر اللّه سبحانه وتسبيحه في الآونة التي كأنما يشارك الكون كله فيها في التأثير على القلب البشري وترقيقه وإرهافه وتشويقه للاتصال باللّه . .
« فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ . وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ »
. .
« وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى »
. .
« وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا . وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا »
. . ولا داعي للقول بأن هذا الأمر بالذكر في هذه الآونة قد كان قبل فرض الصلاة المكتوبة في أوقاتها المعلومة . مما يوحي بأن فرض الصلاة المكتوبة قد أغنى عن هذا الأمر في هذه الآونة . فهذا الذكر أشمل من الصلاة ، وأوقاته ليست مقصورة على مواقيت الصلاة المكتوبة . كما أنه قد يكون في صور غير صورة الصلاة - المكتوبة وغير المكتوبة - في صورة الذكر بالقلب ، أو بالقلب واللسان دون بقية حركات الصلاة . . بل إنه لأشمل من ذلك كذلك . إنه التذكر الدائم والاستحضار الدائم لجلال اللّه - سبحانه - ومراقبته في السر والعلن ، وفي الصغيرة والكبيرة ، وفي الحركة والسكنة ، وفي العمل والنية . . وإنما ذكر البكرة والأصيل والليل . . لما في هذه الآونة من مؤثرات خاصة يعلم اللّه ما تصنع في القلب البشري ، الذي يعلم خالقه فطرته وطبيعة تكوينه !
« وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ »
. . الغافلين عن ذكر اللّه . . لا بالشفة واللسان ، ولكن بالقلب والجنان . . الذكر الذي يخفق به القلب ؛ فلا يسلك صاحبه طريقا يخجل أن يطلع عليه اللّه فيه ؛ ويتحرك حركة يخجل أن يراه اللّه عليها ؛ ولا يأتي صغيرة أو كبيرة إلا وحساب اللّه فيها . . فذلك هو الذكر الذي يرد به الأمر هنا ؛ وإلا فما هو ذكر للّه ، إذا كان لا يؤدي إلى الطاعة والعمل والسلوك والاتباع . اذكر ربك ولا تغفل عن ذكره ؛ ولا يغفل قلبك عن مراقبته ؛ فالإنسان أحوج إلى أن يظل على اتصال بربه ، ليتقوى على نزغات الشيطان :
« وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ، إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ »
. ولقد