وفي بعض الروايات أن الآيات من 30 إلى غاية 36 من سورة الأنفال مكية . . وهي هذه الآيات :
« وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ . وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ . وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا : قَدْ سَمِعْنا . لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ . وَإِذْ قالُوا : اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ ، أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ . وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ، وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ . وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ، وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ ، إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ ، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ . وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً ، فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ . إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ، فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ »
. .
ولعل الذي دعا أصحاب هذه الروايات إلى القول بمكية هذه الآيات أنها تتحدث عن أمور كانت في مكة قبل الهجرة . . ولكن هذا ليس بسبب . . فإن هناك كثيرا من الآيات المدنية تتحدث عن أمور كانت في مكة قبل الهجرة . وفي هذه السورة نفسها آية : 26 قبل هذه الآيات تتحدث عن مثل هذا الشأن :
« وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ ، تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ ، فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ ، وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ »
. .
كما أن الآية : 36 وهي الأخيرة من تلك الآيات تتحدث عن أمر كان بعد بدر ، خاص بإنفاق المشركين أموالهم للتجهيز لغزوة أحد :
« إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ . فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ، ثُمَّ يُغْلَبُونَ ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ »
. .
والروايات التي تذكر أن هذه الآيات مكية ذكرت في سبب النزول مناسبة هي محل اعتراض . فقد جاء فيها : أن أبا طالب قال لرسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ما يأتمر به قومك ؟ قال : يريدون أن يسحروني ويقتلوني ويخرجوني ! فقال : من أخبرك بهذا ؟ قال : ربي . قال : نعم الرب ربك . فاستوص به خيرا ! فقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : أنا استوصي به ! بل هو يستوصي بي خيرا ! فنزلت :
« وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ »
. . الآية . .
وقد ذكر ابن كثير هذه الرواية واعترض عليها بقوله : « وذكر أبي طالب في هذا غريب جدا ، بل منكر . لأن هذه الآية مدنية . ثم إن هذه القصة ، واجتماع قريش على هذا الائتمار ، والمشاورة على الإثبات أو النفي أو القتل ، إنما كانت ليلة الهجرة سواء . وذلك بعد موت أبي طالب بنحو من ثلاث سنين . لما تمكنوا منه واجترءوا عليه بسبب موت عمه أبي طالب ، الذي كان يحوطه وينصره ويقوم بأعبائه » . .
وقد ذكر ابن إسحاق . عن عبد اللّه ابن أبي نجيح . عن مجاهد . عن ابن عباس - وعنه كذلك من طريق آخر - حديثا طويلا عن تبييت قريش ومكرهم هذا ، جاء في نهايته قوله : « . . وأذن اللّه له عند ذلك بالخروج ، وأنزل عليه - بعد قدومه المدينة - « الأنفال » يذكره نعمه عليه ، وبلاءه عنده :
« وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ، وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ . وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ »
. .
وهذه الرواية عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - هي التي تتفق مع السياق القرآني قبل هذه الآيات وبعدها .
من تذكير اللّه سبحانه لنبيه - صلى اللّه عليه وسلم - وللمؤمنين بما أسلف إليهم من فضله ؛ في معرض تحريضهم على الجهاد في سبيل اللّه والاستجابة لما يدعوهم إليه منه والثبات يوم الزحف . . إلى آخر ما تعالجه السورة من هذا