إنه هذا القرآن الذي يجهله أهله اليوم . لأنهم لا يعرفونه إلا تراتيل وترانيم وتعاويذ وتهاويم ! بعد ما صرفتهم عنه قرون من الكيد اللئيم ، ومن الجهل المزري ، ومن التعاليم المغرورة ، ومن الفساد الشامل للفكر والقلب والواقع النكد الخبيث ! إنه هذا القرآن الذي كان الجاهليون القدامى يصرفون عنه الجماهير بطلب الخوارق المادية . والذي يصرف عنه الجاهليون المحدثون الجماهير بالقرآن الجديد الذي يفترونه ، وبشتى وسائل الإعلام والتوجيه ! إنه هذا القرآن الذي يقول عنه العليم الخبير :
« هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ »
. .
بصائر تكشف وتنير . وهدى يرشد ويهدي . ورحمة تغمر وتفيض . .
« لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ »
فهم الذين يجدون هذا كله في هذا القرآن الكريم . .
ولأن هذا هو القرآن يجيء مباشرة في السياق هذا التوجيه للمؤمنين :
« وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ »
. .
فتختتم به السورة التي بدأت بالإشارة إلى هذا القرآن :
« كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ ، لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ »
. .
وتختلف الروايات المأثورة في موضع هذا الأمر بالاستماع والإنصات إذا قرئ القرآن . . بعضهم يرى أن موضع هذا الأمر هو الصلاة المكتوبة . حين يجهر الإمام بالقرآن ؛ فيجب أن يستمع المأموم وينصت ، ولا يقرأ هو مع قراءة الإمام الجهرية . ولا ينازع الإمام القرآن ! وذلك كالذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن ، وقال الترمذي عنه : هذا حديث حسن ، وصححه أبو حاتم الرازي ، من حديث الزهري عن أبي أكثمة الليثي عن أبي هريرة أن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال : « هل قرأ أحد منكم معي آنفا به » قال رجل : نعم يا رسول اللّه . قال : « إني أقول : ما لي أنازع القرآن » فانتهى الناس عن القراءة مع رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فيما جهر فيه بالقراءة من الصلاة حين سمعوا ذلك من رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وكالذي رواه ابن جرير في التفسير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا المحاربي ، عن داود بن أبي هند ، عن بشير بن جابر قال : صلى ابن مسعود ، فسمع ناسا يقرءون مع الإمام . فلما انصرف قال : « أما آن لكم أن تفهموا ؛ أما آن لكم أن تعقلوا :
« إِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا »
كما أمركم اللّه « 1 » ! وبعضهم يرى أن هذا كان توجيها للمسلمين أن لا يكونوا كالمشركين الذين كانوا يأتون رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - إذا صلى ، فيقول بعضهم لبعض بمكة :
« لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ »
. فأنزل اللّه عزّ وجل جوابا لهم :
« وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا »
. . قال القرطبي هذا وقال نزل في الصلاة .
روي عن ابن مسعود وأبي هريرة وجابر والزهري وعبيد اللّه بن عمير وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن المسيب . .
وروى ابن جرير سببا للنزول قال : حدثنا أبو كريب ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن عاصم عن المسيب . .
هامش
( 1 ) تختلف المذاهب في قراءة المأموم : لا يقرأ المأموم في صلاة جهرية أو سرية وقراءة الإمام قراءته . . لا يقرأ في الجهرية مع الإمام ويقرأ في السكتة بين الفاتحة والقراءة . . لا يقرأ في الجهرية إطلاقا ويقرأ في السرية .