كانت السورة من قبل معرضا للمعركة بين الإنسان والشيطان في أوائلها ، وظل سياقها يعرض موكب الإيمان وشياطين الجن والإنس تعترض طريقه ، كما ذكر الشيطان في نبأ الذي آتاه اللّه آياته فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين . وكما ذكر في أواخرها نزغ الشيطان والاستعاذة منه باللّه السميع العليم . . وهو سياق متصل ، ينتهي بالتوجيه إلى ذكر اللّه تضرعا وخيفة ، والنهي عن الغفلة . . ويأتي هذا الأمر وهذا النهي في صدد توجيه اللّه سبحانه لرسوله - صلى اللّه عليه وسلم - أن يأخذ العفو ويأمر بالعرف ويعرض عن الجاهلين . . فإذا هو تكملة لمعالم الطريق ، وتزويد لصاحب الدعوة بالزاد الذي يقوى به على مشاق الطريق . .
ثم يضرب اللّه مثلا بالذين عنده من الملائكة المقربين : الذين لا ينزغ في أنفسهم شيطان ، فليس له في تركيب طبيعتهم مكان ! ولا تستبد بهم نزوة ، ولا تغلبهم شهوة . ومع هذا فهم دائبون على تسبيح اللّه وذكره ، لا يستكبرون عن عبادته ولا يقصرون . وللإنسان أحوج منهم إلى الذكر والعبادة والتسبيح . وطريقه شاق ! وطبيعته قابلة لنزغ الشيطان ! وقابلة للغفلة المردية ! وجهده محدود . لولا هذا الزاد في الطريق الكئود :
« إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ . وَيُسَبِّحُونَهُ . وَلَهُ يَسْجُدُونَ »
. .
إن العبادة والذكر عنصر أساسي في منهج هذا الدين . . إنه ليس منهج معرفة نظرية . وجدل لاهوتي .
إنه منهج حركة واقعية لتغيير الواقع البشري . وللواقع البشري جذوره وركائزه في نفوس الناس وفي أوضاعهم سواء . وتغيير هذا الواقع الجاهلي إلى الواقع الرباني الذي يريده اللّه للناس وفق منهجه مسألة شاقة عسيرة ؛ تحتاج إلى جهد طويل ، وإلى صبر عميق . وطاقة صاحب الدعوة محدودة . ولا قبل له بمواجهة هذه المشقة دون زاد يستمده من ربه . إنه ليس العلم وحده ، وليست المعرفة وحدها . إنما هي العبادة للّه والاستمداد منه . .
هي الزاد ، وهي السند ، وهي العون ؛ في الطريق الشاق الطويل ! ومن ثم هذا التوجيه الأخير في السورة التي بدأت بقول اللّه سبحانه لرسوله الكريم ، « كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه ، لتنذر به ، وذكرى للمؤمنين » . . والتي تضمن سياقها عرض موكب الإيمان ، بقيادة الرهط الكريم من رسل اللّه الكرام ؛ وما يعترض طريقه من كيد الشيطان الرجيم ، ومن مكر شياطين الجن والإنس ؛ ومن معارضة المتجبرين في الأرض ، وحرب الطواغيت المتسلطين على رقاب العباد .
إنه زاد الطريق . وعدة الموكب الكريم في هذا الطريق . .