تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1403

مساهمون:

ص١٤٠٣
« يَهْدُونَ بِالْحَقِّ . وَبِهِ يَعْدِلُونَ »
. . إن صفة هذه الأمة - التي لا ينقطع وجودها من الأرض أيا كان عددها - أنهم
« يَهْدُونَ بِالْحَقِّ »
. . فهم دعاة إلى الحق ، لا يسكتون عن الدعوة به ، وإليه ، ولا يتقوقعون على أنفسهم ؛ ولا ينزوون بالحق الذي يعرفونه . ولكنهم يهدون به غيرهم . فلهم قيادة فيمن حولهم من الضالين عن هذا الحق ، المتنكرين لذلك العهد ؛ ولهم عمل إيجابي لا يقتصر على معرفة الحق ؛ إنما يتجاوزه إلى الهداية به والدعوة إليه والقيادة باسمه . « وبه يعدلون » . . فيتجاوزون معرفة الحق والهداية به إلى تحقيق هذا الحق في حياة الناس والحكم به بينهم ، تحقيقا للعدل الذي لا يقوم إلا بالحكم بهذا الحق . . فما جاء هذا الحق ليكون مجرد علم يعرف ويدرس . ولا مجرد وعظ يهدى به ويعرّف ! إنما جاء هذا الحق ليحكم أمر الناس كله . يحكم تصوراتهم الاعتقادية فيصححها ويقيمها على وفقه . ويحكم شعائرهم التعبدية فيجعلها ترجمة عنه في صلة العبد بربه . ويحكم حياتهم الواقعية فيقيم نظامها وأوضاعها وفق منهجه ومبادئه ويقضي فيها بشريعته وقوانينه المستمدة من هذه الشريعة . ويحكم عاداتهم وتقاليدهم وأخلاقهم وسلوكهم فيقيمها كلها على التصورات الصحيحة المستمدة منه . ويحكم مناهج تفكيرهم وعلومهم وثقافاتهم كلها ويضبطها بموازينه . . . وبهذا كله يوجد هذا الحق في حياة الناس ، ويقوم العدل الذي لا يقوم إلا بهذا الحق . . وهذا ما تزاوله تلك الأمة بعد التعريف بالحق والهداية به . . إن طبيعة هذا الدين واضحة لا تحتمل التلبيس ! صلبة لا تقبل التمييع ! والذين يلحدون في هذا الدين يجدون مشقة في تحويله عن طبيعته هذه الواضحة الصلبة . . وهم من أجل ذلك يوجهون إليه جهودا لا تكل ، وحملات لا تنقطع ، ويستخدمون في تحريفه عن وجهته وفي تمييع طبيعته ، كل الوسائل وكل الأجهزة ، وكل التجارب . . هم يسحقون سحقا وحشيا كل طلائع البعث والحيوية الصلبة الصامدة في كل مكان على وجه الأرض عن طريق الأوضاع التي يقيمونها ويكفلونها في كل بقاع الأرض ! وهم يسلطون المحترفين من علماء هذا الدين عليه ، يحرفون الكلم عن مواضعه ، ويحلون ما حرم اللّه ، ويميعون ما شرعه ، ويباركون الفجور والفاحشة ويرفعون عليها رايات الدين وعناوينه ! وهم يزحلقون المخدوعين في الحضارات المادية ، المأخوذين بنظرياتها وأوضاعها ليحاولوا زحلقة الإسلام في التشبه بهذه النظريات وهذه الأوضاع ، ورفع شعاراتها ، أو الاقتباس من نظرياتها وشرائعها ومناهجها ! وهم يصورون الإسلام الذي يحكم الحياة حادثا تاريخيا مضى ولا تمكن إعادته ، ويشيدون بعظمة هذا الماضي ليخدروا مشاعر المسلمين ، ثم ليقولوا لهم - في ظل هذا التخدير - : إن الإسلام اليوم يجب أن يعيش في نفوس أهله عقيدة وعبادة ، لا شريعة ونظاما ، وحسبه وحسبهم ذلك المجد التاريخي القديم ! هذا وإلا فإن على هذا الدين أن « يتطور » فيصبح محكوما بواقع البشر ، يبصم لهم على كل ما يقدمونه له من تصورات وقوانين . وهم يضعون للأوضاع التي يقيمونها في العالم - الذي كان إسلاميا - نظريات تأخذ شكل العقيدة والدين ، لتحل محل ذلك الدين القديم ! وينزّلون لها قرآنا يتلى ويدرس ، ليحل محل ذلك القرآن القديم ! وهم يحاولون تغيير طبيعة المجتمعات - كما يحاولون تغيير طبيعة هذا الدين - كوسيلة أخيرة ، حتى لا يجد هذا الدين قلوبا تصلح للهداية به ؛ فيحولون المجتمعات إلى فتات غارق في وحل الجنس والفاحشة والفجور ، مشغول بلقمة العيش لا يجدها إلا بالكد والعسر والجهد ، كيلا يفيق ، بعد اللقمة والجنس ، ليستمع إلى هدى ، أو يفيء إلى دين ! إنها المعركة الضارية مع هذا الدين والأمة التي تهدي به وتحاول أن تعدل به . . المعركة التي تستخدم فيها جميع الأسلحة بلا تحرج ، وجميع الوسائل بلا حساب ؛ والتي تجند لها القوى والكفايات وأجهزة الإعلام