إن الجسم الحي . لا بل الخلية الحية . لمعجزة لا ينقضي منها العجب . . وجودها . تركيبها . تصرفها .
عمليات التحول الدائمة التي تتم فيها كل لحظة مع محافظتها على وجودها ؛ وتضمنها كذلك لوسيلة التجدد في أنسال منها ؛ ومعرفتها لوظيفتها ولامتداد هذه الوظيفة في أنسالها ! . . فمن ذا الذي ينظر إلى هذه الخلية الواحدة ، ثم يطمئن عقله - بل فطرته وضميره - إلى أن هذا الكون بلا إله ، أو أن هناك آلهة مع اللّه ؟
إن امتداد الحياة عن طريق الزوجية والنسل ليقوم شاهدا يهتف لكل قلب وكل عقل بتدبير الخالق الواحد المدبر . . وإلا فمن ذا الذي يضمن للحياة وجود الذكر والأنثى دائما في نسلها بالمقادير التي يتم بها هذا التزاوج ؟
لما ذا لا يأتي زمن على الحياة تنسل ذكورا فقط أو إناثا فقط . . ولو حدث هذا لا نقطع النسل عند هذا الجيل . .
فمن ذا الذي يمسك بعجلة التوازن دائما في الأجيال جميعا ؟
إن التوازن ملحوظ في ملكوت السماوات والأرض جميعا - لا في هذه الظاهرة الحيوية وحدها - إنه ملحوظ في بناء الذرة كما هو ملحوظ في بناء المجرة ! وملحوظ في التوازن بين الأحياء وبين الأشياء سواء . .
ولو اختل هذا التوازن شعرة ما ظل هذا الكون قائما لحظة ! فمن الذي يمسك بعجلة التوازن الكبرى في السماوات والأرض جميعا ؟ « 1 » وعرب الجزيرة الذين كانوا يخاطبون بهذا القرآن أول مرة ما كانوا يدركون بعلومهم مدى هذا التوازن والتناسق في ملكوت السماوات والأرض وما خلق اللّه من شيء . . ولكن الفطرة الإنسانية بذاتها تلتقي مع هذا الكون في أعماقها ؛ وتتجاوب معه بلغة غير منطوقة إلا في هذه الأعماق . ويكفي أن ينظر الإنسان بالقلب المفتوح والعين المبصرة إلى هذا الكون حتى يتلقى إيقاعاته وإيحاءاته تلقيا موحيا هاديا .
ولقد اهتدى الإنسان بفطرته - وهو يتلقى إيقاعات هذا الوجود في حسه - إلى أن له إلها . ولم تغب عن حسه قط هذه الحقيقة . إنما كان يخطئ في تحديد صفة الإله الحق ، حتى تهديه الرسالات إلى الرؤية الصحيحة « 2 » . .
فأما الملحدون الجدد - أصحاب « الاشتراكية العلمية » ! - فهم أمساخ شائهو الفطرة . بل إنهم إنما ينكرون الفطرة ، ويعاندون ما يجدونه في أنفسهم من إلحاحها . . وعندما صعد أحدهم إلى الفضاء الجوي ، ورأى ذلك المشهد الباهر - مشهد الأرض كرة معلقة في الفضاء - هتفت فطرته : ما الذي يمسكها هكذا في الفضاء ؟
ولكنه حين هبط إلى الأرض ، وتذكر إرهاب الدولة ، قال : إنه لم يجد اللّه هناك ! وكتم إلحاح فطرته وصراخها في أعماقه ، أمام شيء من ملكوت السماوات والأرض ! إن اللّه الذي يخاطب الإنسان بهذا القرآن لهو الذي خلق هذا الإنسان ، والذي يعلم فطرة هذا الإنسان ! وأخيرا يلمس قلوبهم بطائف الموت الذي قد يكون مخبأ لهم - من قريب - في عالم المجهول المغيب ؛ وهم عنه غافلون :
« وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ »
. .
فما يدريهم أن أجلهم قريب ؟ وما يبقيهم في غفلتهم سادرين ؛ وهم عن غيب اللّه محجوبون ؟ وهم في قبضته لا يفلتون ؟
إن هذه اللمسة بالأجل المغيب - الذي قد يكون قد اقترب - لتهز القلب البشري هزة عميقة ! لعله أن
هامش
( 1 ) يراجع فصل : « حقيقة الكون » وفصل : « حقيقة الحياة » في كتاب : « خصائص التصور الإسلامي ومقوماته » القسم الثاني .
( 2 ) يراجع فصل « ألوهية وعبودية » وفصل : « حقيقة الإنسان » في المصدر السابق . « دار الشروق » .