تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1402

مساهمون:

ص١٤٠٢
يواجهون دعوة الإسلام بالشرك - الذين يلحدون في أسماء اللّه ويحرفونها ، فيسمون بها الشركاء المزعومين :
« وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها ، وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ ، سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ »
. . والإلحاد هو الانحراف أو التحريف . . وقد حرف المشركون في الجزيرة أسماء اللّه الحسنى ، فسموا بها آلهتهم المدعاة . . حرفوا اسم « اللّه » فسموا به « اللات » . واسم « العزيز » فسموا به « العزى » . . فالآية تقرر أن هذه الأسماء الحسنى للّه وحده . وتأمر أن يدعوه المؤمنون وحده بها ، دون تحريف ولا ميل ؛ وأن يدعوا المحرفين المنحرفين ؛ فلا يحفلوهم ولا يأبهوا لما هم فيه من الإلحاد . فأمرهم موكول إلى اللّه ؛ وهم ملاقون جزاءهم الذي ينتظرهم منه . . ويا له من وعيد ! . . وهذا الأمر بإهمال شأن الذين يلحدون في أسماء اللّه ؛ لا يقتصر على تلك المناسبة التاريخية ، ولا على الإلحاد في أسماء اللّه بتحريفها اللفظي إلى الآلهة المدعاة . . إنما هو ينسحب على كل ألوان الإلحاد في شتى صوره . . ينسحب على الذين يلحدون - أي يحرفون أو ينحرفون - في تصورهم لحقيقة الألوهية على الإطلاق . كالذين يدّعون له الولد . وكالذين يدّعون أن مشيئته - سبحانه - مقيدة بنواميس الطبيعة الكونية ! وكالذين يدعون له كيفيات أعمال تشبه كيفيات أعمال البشر - وهو سبحانه ليس كمثله شيء - وكذلك من يدعون أنه سبحانه إله في السماء ، وفي تصريف نظام الكون ، وفي حساب الناس في الآخرة . ولكنه ليس إلها في الأرض ، ولا في حياة الناس ، فليس له - في زعمهم - أن يشرع لحياة الناس ؛ إنما الناس هم الذين يشرعون لأنفسهم بعقولهم وتجاربهم ومصالحهم - كما يرونها هم - فالناس - في هذا - هم آلهة أنفسهم . أو بعضهم آلهة بعض ! . . وكله إلحاد في اللّه وصفاته وخصائص ألوهيته . . والمسلمون مأمورون بالإعراض عن هذا كله وإهماله ؛ والملحدون موعدون بجزاء اللّه لهم على ما كانوا يعملون ! ثم يمضي السياق يفصل صنوف الخلق . . بعد ما ذكر منهم من قبل أولئك الذين ذرأهم اللّه لجهنم
« لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ، وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ، وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها . . . »
ومنهم هؤلاء الذين يلحدون في أسماء اللّه ويحرفونها . . ثم إن منهم أمة يستمسكون بالحق ، ويدعون الناس إليه ، ويحكمون به ولا ينحرفون عنه . . وأمة - على الضد - ينكرون الحق ، ويكذبون بآيات اللّه ! فأما الأولون فيقرر وجودهم في الأرض وجودا ثابتا لا شك فيه ؛ وهم حراس على الحق حين ينحرف عنه المنحرفون ، ويزيغ عنه الزائغون ؛ وحين يكذب الناس بالحق وينبذونه يبقون هم عليه صامدين . وأما الآخرون فيكشف عن مصير لهم مخيف ، وكيد للّه إزاءهم متين :
« وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ ، وَبِهِ يَعْدِلُونَ . وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ . وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ »
. . وما كانت البشرية لتستحق التكريم لو لم تكن فيها دائما - وفي أحلك الظروف - تلك الجماعة - التي يسميها اللّه « أمة » بالمصطلح الإسلامي للأمة وهي : الجماعة التي تدين بعقيدة واحدة وتتجمع على آصرتها ، وتدين لقيادة واحدة قائمة على تلك العقيدة - فهذه الأمة الثابتة على الحق ؛ العاملة به في كل حين ، هي الحارسة لأمانة اللّه في الأرض ، الشاهدة بعهده على الناس ، التي تقوم بها حجة اللّه على الضالين المتنكرين لعهده في كل جيل . ونقف لحظة أمام صفة هذه الأمة :