تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1401

مساهمون:

ص١٤٠١
يقرر أن من يهديه اللّه - وفق سنته التي صورناها في الفقرة السابقة - فهو المهتدي حقا ، الواصل يقينا ، الذي يعرف الطريق ، ويسير على الصراط ، ويصل إلى الفلاح في الآخرة . . وأن الذي يضله اللّه - وفق سنته تلك - فهو الخاسر الذي خسر كل شيء ولم يربح شيئا . . مهما ملك ، ومهما أخذ ؛ فكل ذلك هباء أو هواء ! وإنه لذلك إذا نظرنا إليه من زاوية أن هذا الضال قد خسر نفسه . وما ذا يأخذ وما ذا يكسب من خسر نفسه ؟ ! ويؤيد ما ذهبنا إليه في فهم الآية السابقة وأخواتها نص الآية التالية :
« وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ . لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ، وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ، وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها . . أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ ، بَلْ هُمْ أَضَلُّ . . أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ »
. . إن هؤلاء الكثيرين من الجن والإنس مخلوقون لجهنم ! وهم مهيئون لها ! فما بالهم كذلك ؟ هنالك اعتباران : الاعتبار الأول : أنه مكشوف لعلم اللّه الأزلي أن هؤلاء الخلق صائرون إلى جهنم . . وهذا لا يحتاج إلى بروز العمل الذي يستحقون به جهنم إلى عالم الواقع الفعلي لهم . فعلم اللّه سبحانه شامل محيط غير متوقف على زمان ولا على حركة ينشأ بعدها الفعل في عالم العباد الحادث . والاعتبار الثاني : أن هذا العلم الأزلي - الذي لا يتعلق بزمان ولا حركة في عالم العباد الحادث - ليس هو الذي يدفع هذه الخلائق إلى الضلال الذي تستحق به جهنم . إنما هم كما تنص الآية :
« لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ، وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ، وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها »
. . فهم لم يفتحوا القلوب التي أعطوها ليفقهوا - ودلائل الإيمان والهدى حاضرة في الوجود وفي الرسالات تدركها القلوب المفتوحة والبصائر المكشوفة - وهم لم يفتحوا أعينهم ليبصروا آيات اللّه الكونية . ولم يفتحوا آذانهم ليسمعوا آيات اللّه المتلوة . . لقد عطلوا هذه الأجهزة التي وهبوها ولم يستخدموها . . لقد عاشوا غافلين لا يتدبرون :
« أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ ، بَلْ هُمْ أَضَلُّ ، أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ »
. . والذين يغفلون عما حولهم من آيات اللّه في الكون وفي الحياة ؛ والذين يغفلون عما يمر بهم من الأحداث والغير فلا يرون فيها يد اللّه . . أولئك كالأنعام بل هم أضل . . فللأنعام استعدادات فطرية تهديها . أما الجن والإنس فقد زودوا بالقلب الواعي والعين المبصرة والأذن الملتقطة . فإذا لم يفتحوا قلوبهم وأبصارهم وأسماعهم ليدركوا . إذا مروا بالحياة غافلين لا تلتقط قلوبهم معانيها وغاياتها ؛ ولا تلتقط أعينهم مشاهدها ودلالاتها ؛ ولا تلتقط آذانهم إيقاعاتها وإيحاءاتها . . فإنهم يكونون أضل من الأنعام الموكولة إلى استعداداتها الفطرية الهادية . . ثم هم يكونون من ذرء جهنم ! يجري بهم قدر اللّه إليها وفق مشيئته حين فطرهم باستعداداتهم تلك ، وجعل قانون جزائهم هذا . فكانوا - كما هم في علم اللّه القديم - حصب جهنم منذ كانوا ! وبعد استعراض مشهد الميثاق الكوني بالتوحيد ؛ واستعراض مثل المنحرف عن هذا الميثاق وعن آيات اللّه بعد إذ آتاه اللّه إياها . . يعقب بالتوجيه الآمر بإهمال المنحرفين - الذين كانوا يتمثلون في المشركين الذين كانوا