تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1394

مساهمون:

ص١٣٩٤
وتارة يكون بالحال . كقوله :
« وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ »
. . قالوا : ومما يدل على أن المراد بهذا هذا أن جعل هذا الإشهاد حجة عليهم في الإشراك . فلو كان قد وقع هذا ، كما قال من قال ، لكان كل أحد يذكره ليكون حجة عليه . فإن قيل : إخبار الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - به كاف في وجوده ، فالجواب : أن المكذبين من المشركين يكذبون بجميع ما جاءتهم به الرسل من هذا وغيره . وهذا جعل حجة عليهم ، فدل على أنه الفطرة التي فطروا عليها من الإقرار بالتوحيد . ولهذا قال :
« أَنْ تَقُولُوا »
. . أي لئلا تقولوا
« يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا »
. أي التوحيد . .
« غافِلِينَ ، أَوْ تَقُولُوا : إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا »
. . . الآية ) . أما الأحاديث التي أشار إليها في أول هذه الفقرة فهي : في الصحيحين عن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - . « كل مولود يولد على الفطرة - وفي رواية . « على هذه الملة » - فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه ، كما تولد بهيمة جمعاء ، هل تحسون فيها من جدعاء ؟ » . وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال : قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم : « يقول اللّه إني خلقت عبادي حنفاء ، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ، وحرمت عليهم ما أحللت لهم » . وقال الإمام أبو جعفر بن جرير - رحمه اللّه - حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني السري بن يحيى ، أن الحسن بن أبي الحسن حدثهم عن الأسود بن سريع من بني سعد قال : غزوت مع رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أربع غزوات ، قال : فتناول القوم الذرية بعد ما قتلوا المقاتلة ، فبلغ ذلك رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فاشتد عليه ، ثم قال : « ما بال أقوام يتناولون الذرية ؟ » . فقال رجل : يا رسول اللّه . أليسوا أبناء المشركين ؟ فقال : « إن خياركم أبناء المشركين ! ألا إنها ليست نسمة تولد إلا ولدت على الفطرة ، فما تزال عليها حتى يبين عنها لسانها ، فأبواها يهودانها وينصرانها » . . قال الحسن : لقد قال في كتابه :
« وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ »
. . . الآية . ونحن لا نستبعد أن يكون قول اللّه تعالى :
« وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ
. . الآيات ) على وجهه لا على سبيل الحال . لأنه في تصورنا يقع كما أخبر عنه اللّه سبحانه . وليس هناك ما يمنع أن يقع حين يشاؤه . . ولكنا كذلك لا نستبعد هذا التأويل الذي اختاره ابن كثير ، وذكره الحسن البصري واستشهد له بالآية . . واللّه أعلم أي ذلك كان . . وفي أي من الحالين يخلص لنا أن هناك عهدا من اللّه على فطرة البشر أن توحده . وأن حقيقة التوحيد مركوزة في هذه الفطرة ؛ يخرج بها كل مولود إلى الوجود ؛ فلا يميل عنها إلا أن يفسد فطرته عامل خارجي عنها ! عامل يستغل الاستعداد البشري للهدى وللضلال . وهو استعداد كذلك كامن تخرجه إلى حيز الوجود ملابسات وظروف « 1 » . إن حقيقة التوحيد ليست مركوزة في فطرة « الإنسان » وحده ؛ ولكنها كذلك مركوزة في فطرة هذا الوجود من حوله - وما الفطرة البشرية إلا قطاع من فطرة الوجود كله . موصولة به غير منقطعة عنه ، محكومة بذات الناموس الذي يحكمه - بينما هي تتلقى كذلك أصداءه وإيقاعاته المعبرة عن تأثره واعترافه بتلك الحقيقة الكونية الكبيرة . .
هامش
( 1 ) يراجع فصل : « حقيقة الإنسان » في كتاب : « خصائص التصور الإسلامي ومقوماته » القسم الثاني . « دار الشروق » .