تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1396

مساهمون:

ص١٣٩٦
واستنقاذ عقلهم من ضغط الهوى والضعف والشهوات « 1 » . ولو كان اللّه يعلم أن الفطر والعقول تكفي وحدها للهدى دون رسل ولا رسالات ؛ ودون تذكير وتفصيل للآيات لأخذ اللّه عباده بها . ولكنه رحمهم بعلمه فجعل الحجة عليهم هي الرسالة :
« وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ »
. . يرجعون إلى فطرتهم وعهدها مع اللّه ؛ وإلى ما أودعه اللّه كينونتهم من قوى البصيرة والإدراك . فالرجعة إلى هذه المكنونات كفيلة بانتفاض حقيقة التوحيد في القلوب ؛ وردها إلى بارئها الوحيد ، الذي فطرها على عقيدة التوحيد . ثم رحمها فأرسل إليها الرسل بالآيات للتذكير والتحذير « 2 » . وكمثل للانحراف عن سواء الفطرة ، ونقض لعهد اللّه المأخوذ عليها ، ونكوص عن آيات اللّه بعد رؤيتها والعلم بها . . ذلك الذي آتاه اللّه آياته ، فكانت في متناول نظره وفكره ؛ ولكنه انسلخ منها ، وتعرى عنها ولصق بالأرض ، واتبع الهوى ؛ فلم يستمسك بالميثاق الأول ، ولا بالآيات الهادية ؛ فاستولى عليه الشيطان ؛ وأمسى مطرودا من حمى اللّه ، لا يهدأ ولا يطمئن ولا يسكن إلى قرار . . ولكن البيان القرآني المعجز لا يصوغ المثل هذه الصياغة ! إنما يصوره في مشهد حي متحرك ، عنيف الحركة ، شاخص السمات ، بارز الملامح ، واضح الانفعالات ؛ يحمل كل إيقاعات الحياة الواقعة ، إلى جانب إيقاعات العبارة الموحية « 3 » :
« وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها ، فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ ، فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ . وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها ، وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ . . إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ ، أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ . . ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ . ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ ! »
. . إنه مشهد من المشاهد العجيبة ، الجديدة كل الجدة على ذخيرة هذه اللغة من التصورات والتصويرات . . إنسان يؤتيه اللّه آياته ، ويخلع عليه من فضله ، ويكسوه من علمه ، ويعطيه الفرصة كاملة للهدى والاتصال والارتفاع . . ولكن ها هو ذا ينسلخ من هذا كله انسلاخا . ينسلخ كأنما الآيات أديم له متلبس بلحمه ؛ فهو ينسلخ منها بعنف وجهد ومشقة ، انسلاخ الحي من أديمه اللاصق بكيانه . . أو ليست الكينونة البشرية متلبسة بالإيمان باللّه تلبس الجلد بالكيان ؟ . . ها هو ذا ينسلخ من آيات اللّه ؛ ويتجرد من الغطاء الواقي ، والدرع الحامي ؛ وينحرف عن الهدى ليتبع الهوى ؛ ويهبط من الأفق المشرق فيلتصق بالطين المعتم ؛ فيصبح غرضا للشيطان لا يقيه منه واق ، ولا يحميه منه حام ؛ فيتبعه ويلزمه ويستحوذ عليه . . ثم إذا نحن أولاء أمام مشهد مفزع بائس نكد . . إذا نحن بهذا المخلوق ، لاصقا بالأرض ، ملوثا بالطين . ثم إذا هو مسخ في هيئة الكلب ، يلهث إن طورد ويلهث إن لم يطارد . . كل هذه المشاهد المتحركة تتتابع وتتوالى ؛ والخيال شاخص يتبعها
هامش
( 1 ) يراجع تفسير قوله تعالى :« رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ »في الجزء السادس من هذه الظلال ص 806 - 812 ( 2 ) يراجع فصل : « ألوهية وعبودية » وفصل : « حقيقة الإنسان » في كتاب : « خصائص التصور الإسلامي ومقوماته » . . « دار الشروق » . ( 3 ) يراجع بتوسع فصل : « طريقة القرآن » في كتاب « التصوير الفني في القرآن » . . « دار الشروق » .
في ظلال القرآن — صفحة 1396 | سيد قطب