تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1393

مساهمون:

ص١٣٩٣
التي تحفظ سجل ثلاثة آلاف مليون من البشر ، وتكمن فيها خصائصهم كلها ، لا يزيد حجمها على سنتيمتر مكعب ، أو ما يساوي ملء قمع من أقماع الخياطة ! . . كلمة لو قيلت للناس يومذاك لاتهموا قائلها بالجنون والخبال ! وصدق اللّه العظيم :
« سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ »
. . أخرج ابن جرير وغيره - بإسناده - عن ابن عباس قال : « مسح ربك ظهر آدم ، فخرجت كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة . . . فأخذ مواثيقهم ، وأشهدهم على أنفسهم :
« أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ ؟ قالُوا : بَلى »
. . وروي مرفوعا وموقوفا على ابن عباس . وقال ابن كثير : إن الموقوف أكثر وأثبت . . فأما كيف كان هذا المشهد ؟ وكيف أخذ اللّه من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ؟ وكيف خاطبهم :
« أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ »
وكيف أجابوا : « بلى شهدنا » ؟ . . فالجواب عليه : أن كيفيات فعل اللّه - سبحانه - غيب كذاته . ولا يملك الإدراك البشري أن يدرك كيفيات أفعال اللّه ما دام أنه لا يملك أن يدرك ذات اللّه . إذ أن تصور الكيفية فرع عن تصور الماهية . وكل فعل ينسب للّه سبحانه مثل الذي يحكيه قوله هذا كقوله تعالى :
« ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ . . . »
. .
« ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ » *
. .
« يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ »
. .
« وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ »
. .
« وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا »
. .
« ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ »
. . . إلى آخر ما تحكيه النصوص الصحيحة عن فعل اللّه . سبحانه ، لا مناص من التسليم بوقوعه ، دون محاولة إدراك كيفيته . . إذ أن تصور الكيفية فرع عن تصور الماهية كما قلنا . . واللّه ليس كمثله شيء . فلا سبيل إلى إدراك ذاته ولا إلى إدراك كيفيات أفعاله . إذ أنه . لا سبيل إلى تشبيه فعله بفعل أي شيء ، ما دام أن ليس كمثله شيء . . وكل محاولة لتصور كيفيات أفعاله على مثال كيفيات أفعال خلقه ، هي محاولة مضللة ، لاختلاف ماهيته - سبحانه - عن ماهيات خلقه . وما يترتب على هذا من اختلاف كيفيات أفعاله عن كيفيات أفعال خلقه . . وكذلك جهل وضل كل من حاولوا - من الفلاسفة والمتكلمين - وصف كيفيات أفعال اللّه ، وخلطوا خلطا شديدا ! « 1 » على أن هناك تفسيرا لهذا النص بأن هذا العهد الذي أخذه اللّه على ذرية بني آدم هو عهد الفطرة . . فقد أنشأهم مفطورين على الاعتراف له بالربوبية وحده . أودع هذا فطرتهم فهي تنشأ عليه ، حتى تنحرف عنه بفعل فاعل يفسد سواءها ، ويميل بها عن فطرتها . قال ابن كثير في التفسير : قال قائلون من السلف والخلف : إن المراد بهذا الإشهاد إنما هو فطرهم على التوحيد - كما تقدم في حديث أبي هريرة وعياض بن حمار المجاشعي ومن رواية الحسن البصري عن الأسود ابن سريع - وقد فسر الحسن الآية بذلك . قالوا : ولهذا قال :
« وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ »
ولم يقل : من آدم . .
« مِنْ ظُهُورِهِمْ »
. . ولم يقل من ظهره . .
« ذُرِّيَّتَهُمْ »
أي جعل نسلهم جيلا بعد جيل ، وقرنا بعد قرن ، كقوله تعالى :
« وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ » *
. . وقال :
« وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ »
. . وقال :
« كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ »
. . ثم قال :
« وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ ؟ قالُوا : بَلى ! »
أي أوجدهم شاهدين بذلك قائلين له . . حالا . . وقالوا : والشهادة تارة تكون بالقول كقوله :
« قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ »
. . وتارة تكون حالا كقوله تعالى :
« ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ »
. . أي حالهم شاهد عليهم بذلك ، لا أنهم قائلون ذلك . . وكذلك قوله تعالى :
« وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ »
. . كما أن السؤال تارة يكون بالمقال
هامش
( 1 ) يراجع فصل : « حقيقة الألوهية » في كتاب : « خصائص التصور الإسلامي ومقوماته » القسم الثاني . « دار الشروق » .