السماوات والأرض وما خلق اللّه من شيء ، ولمسها بالأجل المغيب الذي يمكن وراءه الموت ، ودعوتها إلى النظر في حال هذا الرسول الكريم الذي يدعو إلى الهدى ، فيرميه الضالون بالجنون ! ومنها خط جدلي حول آلهتهم المدعاة ، وهي مجردة من خصائص الألوهية ، بل من خصائص الحياة ! وينتهي هذا كله بتوجيه الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - إلى تحديهم وتحدي آلهتهم ، وإعلان مفاصلته ومفارقته لهم ولمعبوداتهم وعبادتهم ، والالتجاء إلى الولي الذي لا ولي غيره :
« الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ »
. .
ولقد كانت نهاية الدرس السابق في قصة بني إسرائيل هي مشهد الميثاق الذي أخذه اللّه عليهم في ظل الجبل المرفوع . فهذا الدرس الجديد يتابعه فيبدأ بقضية الميثاق الأكبر الذي أخذه اللّه على فطرة البشر . في مشهد لا يدانيه في الجلال والروعة مشهد الجبل المرفوع !
« وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ - مِنْ ظُهُورِهِمْ - ذُرِّيَّتَهُمْ ، وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ ؟ قالُوا : بَلى شَهِدْنا ! أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ : إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ . أَوْ تَقُولُوا : إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ . وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ . أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ؟ . . وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ »
. .
إنها قضية الفطرة والعقيدة يعرضها السياق القرآني في صورة مشهد - على طريقة القرآن الغالبة « 1 » - وإنه لمشهد فريد . . مشهد الذرية المكنونة في عالم الغيب السحيق ، المستكنة في ظهور بني آدم قبل أن تظهر إلى العالم المشهود ، تؤخذ في قبضة الخالق المربي ، فيسألها :
« أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ ؟ »
. . فتعترف له - سبحانه - بالربوبية ؛ وتقر له - سبحانه - بالعبودية ؛ وتشهد له - سبحانه - بالوحدانية ؛ وهي منثورة كالذر ؛ مجموعة في قبضة الخالق العظيم ! إنه مشهد كوني رائع باهر ، لا تعرف اللغة له نظيرا في تصوراتها المأثورة ! وإنه لمشهد عجيب فريد حين يتملاه الخيال البشري جهد طاقته ! وحينما يتصور تلك الخلايا التي لا تحصى ، وهي تجمع وتقبض . وهي تخاطب خطاب العقلاء - بما ركب فيها من الخصائص المستكنة التي أودعها إياها الخالق المبدع - وهي تستجيب استجابة العقلاء ، فتعترف وتقر وتشهد ؛ ويؤخذ عليها الميثاق في الأصلاب ! وإن الكيان البشري ليرتعش من أعماقه وهو يتملى هذا المشهد الرائع الباهر الفريد . وهو يتمثل الذر السابح .
وفي كل خلية حياة . وفي كل خلية استعداد كامن . وفي كل خلية كائن إنساني مكتمل الصفات ينتظر الإذن له بالنماء والظهور في الصورة المكنونة له في ضمير الوجود المجهول ، ويقطع على نفسه العهد والميثاق ، قبل أن يبرز إلى حيز الوجود المعلوم ! لقد عرض القرآن الكريم هذا المشهد الرائع الباهر العجيب الفريد ، لتلك الحقيقة الهائلة العميقة المستكنة في أعماق الفطرة الإنسانية وفي أعماق الوجود . . عرض القرآن هذا المشهد قبل قرابة أربعة عشر قرنا من الزمان ، حيث لم يكن إنسان يعلم عن طبيعة النشأة الإنسانية وحقائقها إلا الأوهام ! ثم يهتدي البشر بعد هذه القرون إلى طرف من هذه الحقائق وتلك الطبيعة . فإذا « العلم » يقرر أن الناسلات ، وهي خلايا الوراثة التي تحفظ سجل « الإنسان » وتكمن فيها خصائص الأفراد وهم بعد خلايا في الأصلاب . . أن هذه الناسلات
هامش
( 1 ) يراجع بتوسع كتاب : « التصوير الفني في القرآن » . « دار الشروق » .