عالم الغيب لم يتفطنوا إلى سنة اللّه الجارية وفق المشيئة الطليقة ؛ وإنما نسبوه إلى المصادفات العابرة ، التي لا علاقة لها بنواميس الوجود الدائرة « 1 » .
وكذلك لم ينتبه آل فرعون إلى اللمسة الموقظة الدالة على رحمة اللّه بعباده - حتى وهم يكفرون ويفجرون .
كانت الوثنية وخرافاتها قد أفسدت فطرتهم ؛ وقطعت ما بينهم وبين إدراك النواميس الدقيقة الصحيحة التي تصرف هذا الكون ، كما تصرف حياة الناس ؛ والتي لا يراها ولا يدركها على حقيقتها إلا المؤمنون باللّه إيمانا صحيحا . . الذين يدركون أن هذا الوجود لم يخلق سدى ، ولا يمضي عبثا ، إنما تحكمه قوانين صارمة صادقة . .
وهذه هي « العقلية العلمية » الحقيقية . وهي عقلية لا تنكر « غيب اللّه » لأنه لا تعارض بين « العلمية » الحقيقية و « الغيبية » ؛ ولا تنكر العلاقة بين القيم الإيمانية وواقعيات الحياة ، لأن وراءها اللّه الفعال لما يريد ؛ الذي يريد من عباده الإيمان وهو يريد منهم الخلافة في الأرض ، والذي يسن لهم من شريعته ما يتناسق مع القوانين الكونية ليقع التناسق بين حركة قلوبهم وحركتهم في الأرض . .
لم ينتبه آل فرعون إلى العلاقة بين كفرهم وفسقهم عن دين اللّه ، وبغيهم وظلمهم لعباد اللّه . . وبين أخذهم بالجدب ونقص الثمرات . . في مصر التي تفيض بالخصب والعطاء ، ولا تنقص غلتها عن إعالة أهلها إلا لفسوق أهلها وأخذهم بالابتلاء لعلهم يتذكرون ! لم ينتبهوا لهذه الظاهرة التي شاءت رحمة اللّه بعباده أن تبرزها لأعينهم . ولكنهم كانوا إذا أصابتهم الحسنة والرخاء حسبوها حقا طبيعيا لهم ! وإذا أصابتهم السيئة والجدب نسبوا هذا إلى شؤم موسى ومن معه عليهم .
« فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا : لَنا هذِهِ ! وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ »
. .
وحين تنحرف الفطرة عن الإيمان باللّه ، فإنها لا ترى يده - سبحانه - في تصريف هذا الوجود ؛ ولا ترى قدره الذي تنشأ به الأشياء والأحداث . وعندئذ تفقد إدراكها وحساسيتها بالنواميس الكونية الثابتة النافذة .
فتفسر الحوادث تفسيرات منفصلة منعزلة . لا صلة بينها ولا قاعدة ولا ترابط ؛ وتهيم مع الخرافة في دروب ملتوية متفرقة ؛ لا تلتقي عند قاعدة ، ولا تجتمع وفق نظام - وذلك كالذي قاله خروشوف صاحب الاشتراكية « العلمية ! » عن معاكسة « الطبيعة ! » لهم في تعليل نقص الثمرات والغلات ! وكما يقول الذين يمضون مع هذه « العلمية » المدعاة في تعليل مثل هذه الأحداث . . وهم ينكرون قدر اللّه . . وفيهم من يدعي بعد استنكار غيب اللّه وقدر اللّه أنه « مسلم » وهو ينكر أصول الإيمان باللّه ! وهكذا مضى فرعون وآله يعللون الأحداث . الحسنة التي تصيبهم هي من حسن حظهم وهم يستحقونها .
والسيئة التي تصيبهم هي بشؤم موسى ومن معه عليهم ، ومن تحت رأسهم ! وأصل « التطير » في لغة العرب ما كان الجاهليون في وثنيتهم وشركهم وبعدهم عن إدراك سنن اللّه وقدره يزاولونه . . فقد كان الرجل منهم إذا أراد أمرا ، جاء إلى عش طائر فهيجه عنه ، فإذا طار عن يمينه - وهو السانح - استبشر بذلك ومضى في الأمر الذي يريده . وإذا طار الطائر عن شماله - وهو البارح - تشاءم به ورجع عما عزم عليه ! فأبطل الإسلام هذا التفكير الخرافي ؛ وأحل محله التفكير « العلمي » - العلمي الصحيح - وأرجع الأمور إلى سنن اللّه الثابتة في الوجود ؛ وإلى قدر اللّه الذي يحقق هذه السنن في كل مرة تتحقق فيها ؛
هامش
( 1 ) عندما نقصت الغلات في روسيا الشيوعية وفي المعسكر الشيوعي كله . . لم يجد خروشوف إلا أن يقول : إن « الطبيعة » تعاكسنا ! وهو الرجل الذي يدعي « الاشتراكية العلمية ! » وينكر « الغيبية » ! إنه العمى عن رؤية يد اللّه القاهرة . . وإلا فما هي هذه « الطبيعة » التي لها إرادة « تعاكس » بها البشر ؟