وأقام الأمور على أسس « علمية » يحسب فيها نية الإنسان وعمله وحركته وجهده ؛ وتوضع في موضعها الصحيح ، في اطار المشيئة الإلهية الطليقة ، وقدره النافذ المحيط :
« أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ ؛ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ »
. .
إن ما يقع لهم مصدره كله واحد . . إنه من أمر اللّه . . ومن هذا المصدر تصيبهم الحسنة للابتلاء . . وتصيبهم السيئة للابتلاء :
« وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ »
. . ويصيبهم النكال للجزاء . . ولكن أكثرهم لا يعلمون . . كالذين ينكرون غيب اللّه وقدره في هذه الأيام باسم « العقلية العلمية » ! وكالذين ينسبون إلى الطبيعة المعاكسة باسم « الاشتراكية العلمية » كذلك ! ! ! وكلهم جهال . . وكلهم لا يعلمون ! ويمضي آل فرعون في عتوهم ، تأخذهم العزة بالإثم ؛ ويزيدهم الابتلاء شماسا وعنادا :
« وَقالُوا : مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ »
. .
فهو الجموح الذي لا تروضه تذكرة ؛ ولا يرده برهان ؛ ولا يريد أن ينظر ولا أن يتدبر ، لأنه يعلن الإصرار على التكذيب قبل أن يواجه البرهان - قطعا للطريق على البرهان ! - وهي حالة نفسية تصيب المتجبرين حين يدمغهم الحق ؛ وتجبههم البينة ، ويطاردهم الدليل . . بينما هواهم ومصلحتهم وملكهم وسلطانهم . . كله في جانب آخر غير جانب الحق والبينة والدليل ! عندئذ تتدخل القوة الكبرى سافرة بوسائلها الجبارة :
« فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ ، وَالْجَرادَ ، وَالْقُمَّلَ ، وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ . . آياتٍ مُفَصَّلاتٍ . . »
للإنذار والابتلاء . . آيات مفصلات . . واضحة الدلالة ، منسقة الخطوات ، تتبع الواحدة منها الأخرى ، وتصدق اللاحقة منها السابقة .
ولقد جمع السياق هنا تلك الآيات المفصلة ، التي جاءتهم مفرقة . واحدة واحدة . وهم في كل مرة يطلبون إلى موسى تحت ضغط البلية أن يدعو لهم ربه لينقذهم منها ؛ ويعدونه أن يرسلوا معه بني إسرائيل إذا أنجاهم منها ، وإذا رفع عنهم هذا « الرجز » ، أي العذاب ، الذي لا قبل لهم بدفعه :
« وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا : يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ - بِما عَهِدَ عِنْدَكَ - لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ، وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ »
. .
وفي كل مرة ينقضون عهدهم ، ويعودون إلى ما كانوا فيه قبل رفع العذاب عنهم وفق قدر اللّه في تأجيلهم إلى أجلهم المقدور لهم :
« فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ - إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ - إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ »
. .
جمع السياق الآيات كلها ، كأنما جاءتهم مرة واحدة . وكأنما وقع النكث منهم مرة واحدة . ذلك أن التجارب كلها كانت واحدة ، وكانت نهايتها واحدة كذلك . وهي طريقة من طرق العرض القرآني للقصص يجمع فيها البدايات لتماثلها ؛ ويجمع فيه النهايات لتماثلها كذلك . . ذلك أن القلب المغلق المطموس يتلقى التجارب المنوعة وكأنها واحدة ؛ لا يفيد منها شيئا ، ولا يجد فيها عبرة . .
فأما كيف وقعت هذه الآيات ، فليس لنا وراء النص القرآني شيء . ولم نجد في الأحاديث المرفوعة إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - عنها شيئا . ونحن على طريقتنا في هذه « الظلال » نقف عند حدود النص القرآني في مثل هذه المواضع . لا سبيل لنا إلى شيء منها إلا من طريق الكتاب أو السنة الصحيحة . وذلك تحرزا