تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1354

مساهمون:

ص١٣٥٤
أما قول فرعون لقومه :
« ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي »
. . فيفسره قوله الذي حكاه القرآن عنه :
« أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي ، أَ فَلا تُبْصِرُونَ ؟ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ . وَلا يَكادُ يُبِينُ ؟ فَلَوْ لا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ ؟ »
. . وظاهر أنه كان يوازن بين ما هو فيه من ملك ومن أسورة الذهب التي يحلى بها الملوك ، وبين ما فيه موسى من تجرد من السلطان والزينة ! . وما قصد بقوله :
« ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي »
إلا أنه هو الحاكم المسيطر الذي يسيرهم كما يشاء ؛ والذي يتبعون كلمته بلا معارض ! والحاكمية على هذا النحو ألوهية كما يفيد المدلول اللغوي ! وهي في الواقع ألوهية . فالإله هو الذي يشرع للناس وينفذ حكمه فيهم ! سواء قالها أم لم يقلها « 1 » ! وعلى ضوء هذا البيان نملك أن نفهم مدلول قول ملأ فرعون :
« أَ تَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ ، وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ؟ »
. . فالإفساد في الأرض - من وجهة نظرهم - هو الدعوة إلى ربوبية اللّه وحده ؛ حيث يترتب عليها تلقائيا بطلان شرعية حكم فرعون ونظامه كله . إذ أن هذا النظام قائم على أساس حاكمية فرعون بأمره - أو بتعبير مرادف على أساس ربوبية فرعون لقومه - وإذن فهو - بزعمهم - الإفساد في الأرض ، بقلب نظام الحكم ، وتغيير الأوضاع القائمة على ربوبية البشر للبشر ، وإنشاء وضع آخر مخالف تماما لهذه الأوضاع ، الربوبية فيه للّه لا للبشر . ومن ثم قرنوا الإفساد في الأرض بترك موسى وقومه لفرعون ولآلهته التي يعبدها هو وقومه . . ولقد كان فرعون إنما يستمد هيبته وسلطانه من الديانة التي تعبد فيها هذه الآلهة . . بزعم أنه الابن الحبيب لهذه الآلهة ! وهي بنوة ليست حسية ! فلقد كان الناس يعرفون جيدا أن الفرعون مولود من أب وأم بشريين . إنما كانت بنوة رمزية يستمد منها سلطانه وحاكميته . فإذا عبد موسى وقومه رب العالمين ، وتركوا هذه الآلهة التي يعبدها المصريون ، فمعنى هذا هو تحطيم الأساس الذي يستمد منه فرعون سلطانه الروحي على شعبه المستخف ؛ الذي إنما يطيعه لأنه هو كذلك فاسق عن دين اللّه الصحيح . . وذلك كما يقول اللّه سبحانه :
« فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ . . إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ »
فهذا هو التفسير الصحيح للتاريخ . . وما كان فرعون بقادر على أن يستخف قومه فيطيعوه ، لو لم يكونوا فاسقين عن دين اللّه . . فالمؤمن باللّه لا يستخفه الطاغوت ، ولا يمكن أن يطيع له أمرا ، وهو يعلم أن هذا الأمر ليس من شرع اللّه . . ومن هنا كان يجيء التهديد لنظام حكم فرعون كله بدعوة موسى - عليه السلام - إلى « رب العالمين » وإيمان السحرة بهذا الدين ، وإيمان طائفة من قوم موسى كذلك وعبادتهم لرب العالمين . . ومن هنا يجيء التهديد لكل وضع يقوم على ربوبية البشر للبشر من الدعوة إلى ربوبية اللّه وحده . . أو من شهادة أن لا إله إلا اللّه . . حين تؤخذ بمدلولها الجدي الذي كان الناس يدخلون به في الإسلام . لا بمدلولها الباهت الهزيل الذي صار لها في هذه الأيام ! ومن هنا كذلك استثارت هذه الكلمات فرعون ، وأشعرته بالخطر الحقيقي على نظامه كله فانطلق يعلن عزمه الوحشي البشع :
« قالَ : سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ »
: وكان بنو إسرائيل قد عانوا من قبل - في إبان مولد موسى - مثل هذا التنكيل الوحشي من فرعون وملئه كما يقول اللّه تعالى في سورة القصص :
« إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ ، وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً ، يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً
هامش
( 1 ) يراجع بتوسع كتاب : « المصطلحات الأربعة » للمسلم الصادق السيد أبي الأعلى المودودي أمير الجماعة الإسلامية بباكستان .