الآفات على زروعهم ، فلا يريدون أن يرجعوا إلى اللّه البتة ! وإذا أحس أصحاب الزروع من الفلاحين بيد اللّه في هذه الآفات ، - وهو الشعور الفطري حتى في النفوس الكافرة في ساعات الخطر والشدة ! - واتجهوا إلى اللّه بالدعاء أن يكشف عنهم البلاء ، قال لهم أصحاب « العلمية ! » الكاذبة : هذا الاتجاه خرافة « غيبية ! » وتندروا عليهم وسخروا منهم ! ليردوهم إلى كفر أشد وأشنع من كفر الوثنيين ! ثم تجيء الخاتمة - وفق سنة اللّه في أخذ المكذبين بعد الابتلاء بالضراء والسراء - وتقع الواقعة . ويدمر اللّه على فرعون وملئه - بعد إذ أمهلهم وأجلهم إلى أجل هم بالغوه - ويحقق وعده للمستضعفين الصابرين ، بعد إهلاك الطغاة المتجبرين :
« فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ ، بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا ، وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ . وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها »
. . .
« وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ ، وَما كانُوا يَعْرِشُونَ »
. .
والسياق يختصر هنا في حادث الإغراق ، ولا يفصل أحداثه كما يفصلها في مواضع أخرى من السور .
ذلك أن الجو هنا هو جو الأخذ الحاسم بعد الإمهال الطويل ؛ فلا يعرض لشيء من التفصيل . . إن الحسم السريع هنا أوقع في النفس وأرهب للحس !
« فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ »
. .
ضربة واحدة ، فإذا هم هالكون . ومن التعالي والتطاول والاستكبار ، إلى الهويّ في الأعماق والأغوار ، جزاء وفاقا :
« بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ »
. .
فيربط بين التكذيب بالآيات والغفلة عنها ، وبين هذا المصير المقدور . ويقرر أن الأحداث لا تجري مصادفة ، ولا تمضي فلتات عابرة ، كما يظن الغافلون ! وتنسيقا للجو الحاسم يعجل السياق كذلك بعرض الصفحة الأخرى - صفحة استخلاف المستضعفين - ذلك أن استخلاف بني إسرائيل - في الفترة التي كانوا أقرب ما يكونون فيها إلى الصلاح وقبل أن يزيغوا فيكتب عليهم الذل والتشرد - لم يكن في مصر ، ولم يكن في مكان فرعون وآله . إنما كان في أرض الشام ، وبعد عشرات السنوات من حادث إغراق فرعون - بعد وفاة موسى عليه السلام وبعد التيه أربعين سنة كما جاء في السورة الأخرى - ولكن السياق يطوي الزمان والأحداث ، ويعجل بعرض الاستخلاف هنا تنسيقا لصفحتي المشهد المتقابلتين :
« وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها »
. . .
« وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ ، وَما كانُوا يَعْرِشُونَ
« 1 »
»
. .
على أننا نحن البشر - الفانين المقيدين بالزمان - إنما نقول « قبل » و « بعد » لأننا نؤرخ للأحداث بوقت مرورها بنا وإدراكنا لها ! لذلك نقول : إن استخلاف القوم الذين كانوا يستضعفون ، كان متأخرا عن حادث الإغراق . . ذلك إدراكنا البشري . . فأما الوجود المطلق والعلم المطلق فما « قبل » عنده وما « بعد » ؟ !
هامش
( 1 ) أي يبنون . . وقد يراد بها ما كانوا يعرشون من الحدائق ، وأكثر ما يكون في إقامة كروم العنب على عرائش .