« وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ ، فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ . فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ . فَغُلِبُوا هُنالِكَ ، وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ »
. .
إنه الباطل ينتفش ، ويسحر العيون ، ويسترهب القلوب ، ويخيل إلى الكثيرين أنه غالب ، وأنه جارف ، وأنه محيق ! وما هو إلا أن يواجه الحق الهادئ الواثق حتى ينفثئ كالفقاعة ، وينكمش كالقنفذ ، وينطفئ كشعلة الهشيم ! وإذا الحق راجح الوزن ، ثابت القواعد ، عميق الجذور . . والتعبير القرآني هنا يلقي هذه الظلال ، وهو يصور الحق واقعا ذا ثقل : « فوقع الحق » . . وثبت ، واستقر . . وذهب ما عداه فلم يعد له وجود : « وبطل ما كانوا يعملون » . . وغلب الباطل والمبطلون وذلوا وصغروا وانكمشوا بعد الزهو الذي كان يبهر العيون :
« فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ »
. .
ولكن المفاجأة لم تختم بعد . والمشهد ما يزال يحمل مفاجأة أخرى . . مفاجأة كبرى . .
« وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ . قالُوا : آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ . رَبِّ مُوسى وَهارُونَ »
. .
إنها صولة الحق في الضمائر . ونور الحق في المشاعر ، ولمسة الحق للقلوب المهيأة لتلقي الحق والنور واليقين . .
إن السحرة هم أعلم الناس بحقيقة فنهم ، ومدى ما يمكن أن يبلغ إليه . وهم أعرف الناس بالذي جاء به موسى إن كان من السحر والبشر ، أم من القدرة التي وراء مقدور البشر والسحر . والعالم في فنه هو أكثر الناس استعدادا للتسليم بالحقيقة فيه حين تتكشف له ، لأنه أقرب إدراكا لهذه الحقيقة ، ممن لا يعرفون في هذا الفن إلا القشور . . ومن هنا تحول السحرة من التحدي السافر إلى التسليم المطلق ، الذي يجدون برهانه في أنفسهم عن يقين . .
ولكن الطواغيت المتجبرين لا يدركون كيف يتسرب النور إلى قلوب البشر ؛ ولا كيف تمازجها بشاشة الإيمان ؛ ولا كيف تلمسها حرارة اليقين . فهم لطول ما استعبدوا الناس يحسبون أنهم يملكون تصريف الأرواح وتقليب القلوب - وهي بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء - . . ومن ثم فوجئ فرعون بهذا الإيمان المفاجئ الذي لم يدرك دبيبه في القلوب ولم يتابع خطاه في النفوس ؛ ولم يفطن إلى مداخله في شعاب الضمائر . . ثم هزته المفاجأة الخطيرة التي تزلزل العرش من تحته : مفاجأة استسلام السحرة - وهم من كهنة المعابد - لرب العالمين . رب موسى وهارون . بعد أن كانوا مجموعين لإبطال دعوة موسى وهارون إلى رب العالمين ! . . والعرش والسلطان هما كل شيء في حياة الطواغيت . . وكل جريمة يمكن أن يرتكبوها بلا تحرج في سبيل المحافظة على الطاغوت :
« قالَ فِرْعَوْنُ : آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ! إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها . فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ . لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ، ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ »
. .
هكذا . .
« آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ! »
. . كأنما كان عليهم أن يستأذنوه في أن تنتفض قلوبهم للحق - وهم أنفسهم لا سلطان لهم عليها - أو يستأذنوه في أن ترتعش وجداناتهم - وهم أنفسهم لا يملكون من أمرها شيئا - أو يستأذنوه في أن تشرق أرواحهم - وهم أنفسهم لا يمسكون مداخلها . أو كأنما كان عليهم أن يدفعوا اليقين وهو ينبت من الأعماق . أو أن يطمسوا الإيمان وهو يترقرق من الأغوار . أو أن يحجبوا النور وهو ينبعث من شعاب اليقين ! ولكنه الطاغوت جاهل غبي مطموس ؛ وهو في الوقت ذاته متعجرف متكبر مغرور !