تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1347

مساهمون:

ص١٣٤٧
وإعلان ربوبية اللّه للعالمين لا يجتمع مع خضوع أحد من العالمين لغير اللّه ؛ ولا يجتمع مع حاكمية أحد بشريعة من عنده للناس . . والذين يظنون أنهم مسلمون بينما هم خاضعون لشريعة من صنع البشر - أي لربوبية غير ربوبية اللّه - واهمون إذا ظنوا لحظة واحدة أنهم مسلمون ! إنهم لا يكونون في دين اللّه لحظة واحدة وحاكمهم غير اللّه ، وقانونهم غير شريعة اللّه . إنما هم في دين حاكمهم ذاك . في دين الملك لا في دين اللّه ! وعلى هذه الحقيقة أمر موسى - عليه السلام - أن يبني طلبه من فرعون إطلاق بني إسرائيل :
« يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ »
. . .
« فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ »
. . . مقدمة ونتيجة . . تتلازمان ولا تفترقان . . ولم تغب على فرعون وملئه دلالة هذا الإعلان . إعلان ربوبية اللّه للعالمين . . لم يغب عنهم أن هذا الإعلان يحمل في طياته هدم ملك فرعون . وقلب نظام حكمه ، وإنكار شرعيته ، وكشف عدوانه وطغيانه . . ولكن كان أمام فرعون وملئه فرصة أن يظهروا موسى بمظهر الكاذب الذي يزعم أنه رسول من رب العالمين بلا بينة ولا دليل :
« قالَ : إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ »
. . ذلك أنه إذا اتضح أن هذا الداعية إلى ربوبية رب العالمين كاذب في دعواه ؛ سقطت دعوته ، وهان أمره ؛ ولم يعد لهذه الدعوة الخطيرة من خطر - وصاحبها دعيّ لا بينة عنده ولا دليل ! ولكن موسى يجيب :
« فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ . وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ »
. . إنها المفاجأة ! إن العصا تنقلب ثعبانا لا شك في ثعبانيته . . « مبين » . . وكما قيل في سورة أخرى :
« فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى »
« 1 » . . ثم إن يده السمراء - وقد كان موسى عليه السلام « آدم » أي مائلا إلى السمرة - يخرجها من جيبه فإذا هي بيضاء من غير سوء ، بيضاء ليست عن مرض ، ولكنها المعجزة ، فإذا أعادها إلى جيبه عادت سمراء ! هذه هي البينة والآية على الدعوى التي جاء بها موسى . . إني رسول من رب العالمين . ولكن هل يستسلم فرعون وملؤه لهذه الدعوى الخطيرة ؟ هل يستسلمون لربوبية رب العالمين ؟ وعلام إذن يقوم عرش فرعون وتاجه وملكه وحكمه ؟ وعلام يقوم الملأ من قومه ومراكزهم التي هي من عطاء فرعون ورسمه وحكمه ؟ علام يقوم هذا كله إن كان اللّه هو « رب العالمين » ؟ إنه إن كان اللّه هو « رب العالمين » فلا حكم إلا لشريعة اللّه ، ولا طاعة إلا لأمر اللّه . . فأين يذهب شرع فرعون وأمره إذن ، وهو لا يقوم على شريعة اللّه ولا يرتكن إلى أمره ؟ . . إن الناس لا يكون لهم « رب » آخر يعبدهم لحكمه وشرعه وأمره ، إن كان اللّه هو ربهم . . إنما يخضع الناس لشرع فرعون وأمره حين يكون ربهم هو فرعون . فالحاكم - بأمره وشرعه - هو رب الناس . وهم في دينه أيا كان ! كلا ! إن الطاغوت لا يستسلم هكذا من قريب . ولا يسلم ببطلان حكمه وعدم شرعية سلطانه بمثل هذه السهولة !
هامش
( 1 ) علماء الحيوان يفرقون بين « الثعابين » و « الحيات » ولكنهما من فصيلة واحدة . .