تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1348

مساهمون:

ص١٣٤٨
وفرعون وملؤه لا يخطئون فهم مدلول هذه الحقيقة الهائلة التي يعلنها موسى . بل إنهم ليعلنونها صريحة . ولكن مع تحويل الأنظار عن دلالتها الخطيرة ، باتهام موسى بأنه ساحر عليم :
« قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ : إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ . يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ . فَما ذا تَأْمُرُونَ ؟ »
. . انهم يصرحون بالنتيجة الهائلة التي تتقرر من إعلان تلك الحقيقة . إنها الخروج من الأرض . . إنها ذهاب السلطان . . إنها إبطال شرعية الحكم . . أو . . محاولة قلب نظام الحكم ! . . بالتعبير العصري الحديث ! إن الأرض للّه . والعباد للّه . فإذا ردت الحاكمية في أرض للّه ، فقد خرج منها الطغاة ، الحاكمون بغير شرع اللّه ! أو خرج منها الأرباب المتألهون الذين يزاولون خصائص الألوهية بتعبيد الناس لشريعتهم وأمرهم . وخرج منها الملأ الذين يوليهم الأرباب المناصب والوظائف الكبرى ، فيعبدون الناس لهذه الأرباب ! هكذا أدرك فرعون وملؤه خطورة هذه الدعوة . . وكذلك يدركها الطواغيت في كل مرة . . لقد قال الرجل العربي - بفطرته وسليقته - حين سمع رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يدعو الناس إلى شهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه : « هذا أمر تكرهه الملوك ! » . وقال له رجل آخر من العرب بفطرته وسليقته : « إذن تحاربك العرب والعجم » . . لقد كان هذا العربي وذاك يفهم مدلولات لغته . كان يفهم أن شهادة أن لا إله إلا اللّه ثورة على الحاكمين بغير شرع اللّه عربا كانوا أم عجما ! كانت لشهادة أن لا إله إلا اللّه جديتها في حس هؤلاء العرب ، لأنهم كانوا يفهمون مدلول لغتهم جيدا . فما كان أحد منهم يفهم أنه يمكن أن تجتمع في قلب واحد ، ولا في أرض واحدة ، شهادة أن لا إله إلا اللّه ، مع الحكم بغير شرع اللّه ! فيكون هناك آلهة مع اللّه ! ما كان أحد منهم يفهم شهادة أن لا إله إلا اللّه كما يفهمها اليوم من يدعون أنفسهم « مسلمين » . . ذلك الفهم الباهت التافه الهزيل ! وهكذا قال الملأ من قوم فرعون ، يتشاورون مع فرعون :
« إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ . يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ . فَما ذا تَأْمُرُونَ ؟ »
. واستقر رأيهم على أمر :
« قالُوا : أَرْجِهْ وَأَخاهُ ، وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ ، يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ »
. . وكانت أرض مصر تموج بالكهنة في شتى المعابد . وكان الكهنة هم الذين يزاولون أعمال السحر . ففي الوثنيات كلها تقريبا يقترن الدين بالسحر ؛ ويزاول السحر كهنة الديانات وسدنة الآلهة ! وهذه الظاهرة هي التي يلتقطها « علماء الأديان ! » فيتحدث بعضهم عن السحر كمرحلة من مراحل تطور العقيدة ! ويقول الملحدون منهم : إن الدين سيبطل كما بطل السحر ! وإن العلم سينهي عهد الدين كما أنهى عهد السحر ! . . إلى آخر هذا الخبط الذي يسمونه : « العلم » ! وقد استقر رأي الملأ من قوم فرعون ، على أن يرجئ فرعون موسى إلى موعد . وأن يرسل في أنحاء البلاد من يجمع له كبار السحرة . ذلك ليواجهوا « سحر موسى » - بزعمهم - بسحر مثله . وعلى كل ما عرف من طغيان فرعون ، فقد كان في تصرفه هذا أقل طغيانا من طواغيت كثيرة في القرن العشرين ؛ في مواجهة دعوة الدعاة إلى ربوبية رب العالمين ! وتهديد السلطان الباطل بهذه الدعوة الخطيرة ! ويطوي السياق القرآني إجراء فرعون وملئه في جمع السحرة من المدائن ؛ ويسدل الستار على المشهد الأول ،