ليرفعه على المشهد التالي . . وذلك من بدائع العرض القرآني للقصص ، كأنه واقع منظور ، لا حكاية تروى « 1 » !
« وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ ، قالُوا : إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ ؟ قالَ : نَعَمْ ، وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ »
. .
إنهم محترفون . . . يحترفون السحر كما يحترفون الكهانة ! والأجر هو هدف الاحتراف في هذا وذاك ! وخدمة السلطان الباطل والطاغوت الغالب هي وظيفة المحترفين من رجال الدين ! وكلما انحرفت الأوضاع عن إخلاص العبودية للّه ، وإفراده - سبحانه - بالحاكمية ؛ وقام سلطان الطاغوت مقام شريعة اللّه ، احتاج الطاغوت إلى هؤلاء المحترفين ، وكافأهم على الاحتراف ، وتبادل وإياهم الصفقة : هم يقرون سلطانه باسم الدين ! وهو يعطيهم المال ويجعلهم من المقربين ! ولقد أكد لهم فرعون أنهم مأجورون على حرفتهم ، ووعدهم مع الأجر القربى منه ، زيادة في الإغراء ، وتشجيعا على بذل غاية الجهد . . وهو وهم لا يعلمون أن الموقف ليس موقف الاحتراف والبراعة والتضليل ؛ إنما هو موقف المعجزة والرسالة والاتصال بالقوة القاهرة ، التي لا يقف لها الساحرون ولا المتجبرون ! ولقد اطمأن السحرة على الأجر ، واشرأبت أعناقهم إلى القربى من فرعون ، واستعدوا للحلبة . . ثم ها هم أولاء يتوجهون إلى موسى - عليه السلام - بالتحدي . . ثم يكون من أمرهم ما قسم اللّه لهم من الخير الذي لم يكونوا يحتسبون ، ومن الأجر الذي لم يكونوا يتوقعون :
« قالُوا : يا مُوسى ، إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ . . قالَ : أَلْقُوا »
. .
ويبدو التحدي واضحا في تخييرهم لموسى . وتبدو كذلك ثقتهم بسحرهم وقدرتهم على الغلبة . . وفي الجانب الآخر تتجلى ثقة موسى - عليه السلام - واستهانته بالتحدي :
« قالَ أَلْقُوا »
. . فهذه الكلمة الواحدة تبدو فيها قلة المبالاة ، وتلقي ظل الثقة الكامنة وراءها في نفس موسى . على طريقة القرآن الكريم في إلقاء الظلال ، بالكلمة المفردة في كثير من الأحايين « 2 » .
ولكن السياق يفاجئنا بما فوجئ به موسى - عليه السلام « 3 » - وبينما نحن في ظلال الاستهانة وعدم المبالاة ، إذا بنا أمام مظهر السحر البارع ، الذي يرهب ويخيف :
« فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ ، وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ »
.
وحسبنا أن يقرر القرآن أنه سحر عظيم ، لندرك أي سحر كان . وحسبنا أن نعلم أنهم سحروا « أعين الناس » وأثاروا الرهبة في قلوبهم : « واسترهبوهم » لنتصور أي سحر كان . ولفظ « استرهب » ذاته لفظ مصور .
فهم استجاشوا إحساس الرهبة في الناس وقسروهم عليه قسرا . ثم حسبنا أن نعلم من النص القرآني الآخر في سورة طه ، أن موسى عليه السلام قد أوجس في نفسه خيفة لنتصور حقيقة ما كان ! ولكن مفاجأة أخرى تطالع فرعون وملأه ، وتطالع السحرة الكهنة ، وتطالع جماهير الناس في الساحة الكبرى التي شهدت ذلك السحر العظيم :
هامش
( 1 ) يراجع بتوسع فصل : « القصة في القرآن » في كتاب : « التصوير الفني في القرآن » . « دار الشروق » .
( 2 ) يراجع فصل : « التناسق الفني » في المصدر السابق .
( 3 ) هذه المفاجأة لموسى لم ينص عليها هنا وإنما جاءت في سورة طه :« فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى . قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى ».