إن ما تعبدون مع اللّه ليس شيئا ذا حقيقة ! إنها مجرد أسماء أطلقتموها أنتم وآباؤكم ؛ من عند أنفسكم ، لم يشرعها اللّه ولم يأذن بها ، فما لها إذن من سلطان ولا لكم عليها من برهان .
والتعبير المتكرر في القرآن :
« ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ »
. . هو تعبير موح عن حقيقة أصيلة . . إن كل كلمة أو شرع أو عرف أو تصور لم ينزله اللّه ، خفيف الوزن ، قليل الأثر ، سريع الزوال . . إن الفطرة تتلقى هذا كله في استخفاف ، فإذا جاءت الكلمة من اللّه ثقلت واستقرت ونفذت إلى الأعماق ، بما فيها من سلطان اللّه الذي يودعها إياه .
وكم من كلمات براقة ، وكم من مذاهب ونظريات ، وكم من تصورات مزوقة ، وكم من أوضاع حشدت لها كل قوى التزيين والتمكين . . ولكنها تتذاوب أمام كلمة من اللّه ، فيها من سلطانه - سبحانه - سلطان ! وفي ثقة المطمئن ، وقوة المتمكن ، يواجه هود قومه بالتحدي :
« فَانْتَظِرُوا ، إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ »
. .
إن هذه الثقة هي مناط القوة التي يستشعرها صاحب الدعوة إلى اللّه . . إنه على يقين من هزال الباطل وضعفه وخفة وزنه مهما انتفش ومهما استطال . كما أنه على يقين من سلطان الحق الذي معه وقوته بما فيه من سلطان اللّه .
ولا يطول الانتظار في السياق :
« فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا ، وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ، وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ »
. .
فهو المحق الكامل الذي لا يتخلف منه أحد . وهو ما عبر عنه بقطع الدابر . والدابر هو آخر واحد في الركب يتبع أدبار القوم ! وهكذا طويت صفحة أخرى من صحائف المكذبين . وتحقق النذير مرة أخرى بعد إذ لم ينفع التذكير . .
ولا يفصل السياق هنا ما يفصله من أمر هذا الهلاك في السور الأخرى . فنقف نحن في ظلال النص الذي يهدف إلى الاستعراض السريع ؛ ولا نخوض في تفصيل له مواضعه في النصوص .
« وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً ، قالَ : يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ . قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ، هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً ، فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ ، وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ . وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ ، وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ ، تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً ، وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً ، فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ ، وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ . قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا - لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ - : أَ تَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ ؟ قالُوا : إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ ، قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا : إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ . فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ ، وَقالُوا : يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ . فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ . فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ : يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي ، وَنَصَحْتُ لَكُمْ ، وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ »
. .
وهذه صفحة أخرى من صحائف قصة البشرية ؛ وهي تمضي في خضم التاريخ . وها هي ذي نكسة أخرى إلى الجاهلية ؛ ومشهد من مشاهد اللقاء بين الحق والباطل ، ومصرع جديد من مصارع المكذبين .
« وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً . قالَ : يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ »
. .