أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ . فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ . وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً ، فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ »
. .
وتكشف لنا قصة قوم لوط عن لون خاص من انحراف الفطرة ؛ وعن قضية أخرى غير قضية الألوهية والتوحيد التي كانت مدار القصص السابق . ولكنها في الواقع ليست بعيدة عن قضية الألوهية والتوحيد . .
إن الاعتقاد في اللّه الواحد يقود إلى الإسلام لسننه وشرعه . وقد شاءت سنة اللّه أن يخلق البشر ذكرا وأنثى ، وأن يجعلهما شقين للنفس الواحدة تتكامل بهما ؛ وأن يتم الامتداد في هذا الجنس عن طريق النسل ؛ وأن يكون النسل من التقاء ذكر وأنثى . . ومن ثم ركبهما وفق هذه السنة صالحين للالتقاء ، صالحين للنسل عن طريق هذا الالتقاء ، مجهزين عضويا ونفسيا لهذا الالتقاء . . وجعل اللذة التي ينالانها عندئذ عميقة ، والرغبة في إتيانها أصيلة ، وذلك لضمان أن يتلاقيا فيحققا مشيئة اللّه في امتداد الحياة ؛ ثم لتكون هذه الرغبة الأصيلة وتلك اللذة العميقة دافعا في مقابل المتاعب التي يلقيانها بعد ذلك في الذرية . من حمل ووضع ورضاعة .
ومن نفقة وتربية وكفالة . . ثم لتكون كذلك ضمانا لبقائهما ملتصقين في أسرة ، تكفل الأطفال الناشئين ، الذين تطول فترة حضانتهم أكثر من أطفال الحيوان ، ويحتاجون إلى رعاية أطول من الجيل القديم ! هذه هي سنة اللّه التي يتصل إدراكها والعمل بمقتضاها بالاعتقاد في اللّه وحكمته ولطف تدبيره وتقديره .
ومن ثم يكون الانحراف عنها متصلا بالانحراف عن العقيدة ، وعن منهج اللّه للحياة .
ويبدو انحراف الفطرة واضحا في قصة قوم لوط ، حتى أن لوطا ليجبههم بأنهم بدع دون خلق اللّه فيها ، وأنهم في هذا الانحراف الشنيع غير مسبوقين :
« وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ : أَ تَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ ؟ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ - شَهْوَةً - مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ »
. .
والإسراف الذي يدمغهم به لوط هو الإسراف في تجاوز منهج اللّه الممثل في الفطرة السوية . والإسراف في الطاقة التي وهبهم اللّه إياها ، لأداء دورهم في امتداد البشرية ونمو الحياة ، فإذا هم يريقونها ويبعثرونها في غير موضع الإخصاب . فهي مجرد « شهوة » شاذة . لأن اللّه جعل لذة الفطرة الصادقة في تحقيق سنة اللّه الطبيعية .
فإذا وجدت نفس لذتها في نقيض هذه السنة ، فهو الشذوذ إذن والانحراف والفساد الفطري ، قبل أن يكون فساد الأخلاق . . ولا فرق في الحقيقة . فالأخلاق الإسلامية هي الأخلاق الفطرية ، بلا انحراف ولا فساد .
إن التكوين العضوي للأنثى - كالتكوين النفسي - هو الذي يحقق لذة الفطرة الصادقة للذكر في هذا الالتقاء ، الذي لا يقصد به مجرد « الشهوة » . إنما هذه اللذة المصاحبة له رحمة من اللّه ونعمة ، إذ يجعل القيام بتحقيق سنته ومشيئته في امتداد الحياة ، مصحوبا بلذة تعادل مشقة التكليف ! فأما التكوين العضوي للذكر - بالنسبة للذكر - فلا يمكن أن يحقق لذة للفطرة السليمة ؛ بل إن شعور الاستقذار ليسبق ، فيمنع مجرد الاتجاه عند الفطرة السليمة .
وطبيعة التصور الاعتقادي ، ونظام الحياة الذي يقوم عليه ، ذو أثر حاسم في هذا الشأن . .
فهذه هي الجاهلية الحديثة في أوروبا وفي أمريكا ينتشر فيها هذا الانحراف الجنسي الشاذ انتشارا ذريعا .
بغير ما مبرر إلا الانحراف عن الاعتقاد الصحيح ، وعن منهج الحياة الذي يقوم عليه .
وقد كانت هناك دعوى عريضة من الأجهزة التي يوجهها اليهود في الأرض لتدمير الحياة الإنسانية لغير اليهود ، بإشاعة الانحلال العقيدي والأخلاقي . . كانت هناك دعوى عريضة من هذه الأجهزة الموجهة بأن