تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1314

مساهمون:

ص١٣١٤
ولكن الضعاف لم يعودوا ضعافا ! لقد سكب الإيمان باللّه القوة في قلوبهم ، والثقة في نفوسهم ، والاطمئنان في منطقهم . . إنهم على يقين من أمرهم ، فما ذا يجدي التهديد والتخويف ؟ وما ذا تجدي السخرية والاستنكار . . من الملأ المستكبرين ؟ :
« قالُوا : إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ »
. ومن ثم يعلن الملأ عن موقفهم في صراحة تحمل طابع التهديد :
« إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ »
. . على الرغم من البينة التي جاءهم بها صالح . والتي لا تدع ريبة لمستريب . . إنه ليست البينة هي التي تنقص الملأ للتصديق . . إنه السلطان المهدد بالدينونة للرب الواحد . . إنها عقدة الحاكمية والسلطان ، إنها شهوة الملك العميقة في الإنسان ! إنه الشيطان الذي يقود الضالين من هذا الخطام ! وأتبعوا القول بالعمل ، فاعتدوا على ناقة اللّه التي جاءتهم آية من عنده على صدق نبيه في دعواه ؛ والتي حذرهم نبيهم أن يمسوها بسوء فيأخذهم عذاب أليم :
« فَعَقَرُوا النَّاقَةَ ، وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ ؛ وَقالُوا : يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ »
. . إنه التبجح الذي يصاحب المعصية . ويعبر عن عصيانهم بقوله : « عتوا » لإبراز سمة التبجح فيها ، وليصور الشعور النفسي المصاحب لها . والذي يعبر عنه كذلك ذلك التحدي باستعجال العذاب والاستهتار بالنذير : ولا يستأني السياق في إعلان الخاتمة ، ولا يفصل كذلك :
« فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ ، فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ »
. . والرجفة والجثوم ، جزاء مقابل للعتو والتبجح . فالرجفة يصاحبها الفزع ، والجثوم مشهد للعجز عن الحراك . وما أجدر العاتي أن يرتجف ، وما أجدر المعتدي أن يعجز . جزاء وفاقا في المصير . وفي التعبير عن هذا المصير بالتصوير . ويدعهم السياق على هيئتهم . . « جاثمين » . . ليرسم لنا مشهد صالح الذي كذبوه وتحدوه :
« فَتَوَلَّى عَنْهُمْ ، وَقالَ : يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ ، وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ »
. إنه الإشهاد على أمانة التبليغ والنصح ؛ والبراءة من المصير الذي جلبوه لأنفسهم بالعتو والتكذيب . . . وهكذا تطوى صفحة أخرى من صحائف المكذبين . ويحق النذير بعد التذكير على المستهزئين . . وتمضي عجلة التاريخ ، فيظلنا عهد إبراهيم - عليه السلام - ولكن السياق لا يتعرض هنا لقصة إبراهيم . ذلك أن السياق يتحرى مصارع المكذبين ؛ متناسقا مع ما جاء في أول السورة :
« وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها ، فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ »
. . وهذا القصص إنما هو تفصيل لهذا الإجمال في إهلاك القرى التي كذبت بالنذير . . وقوم إبراهيم لم يهلكوا لأن إبراهيم - عليه السلام - لم يطلب من ربه هلاكهم . بل اعتزلهم وما يدعون من دون اللّه . . إنما تجيء هنا قصة قوم لوط - ابن أخي إبراهيم - ومعاصره ، بما فيها من إنذار وتكذيب وإهلاك . يتمشى مع ظلال السياق ، على طريقة القرآن :
« وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ : أَ تَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ ؟ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ - شَهْوَةً - مِنْ دُونِ النِّساءِ . بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ . وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا : أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ ، إِنَّهُمْ