تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1153

مساهمون:

ص١١٥٣
مما يطلبه الناس من الخوارق . . وهي تتم في كل يوم وليلة . بل تتم في كل ثانية ولحظة . . وها هو ذا يقف بنا أمام نشأة الحياة البشرية . . من نفس واحدة . . وأمام تكاثرها بتلك الطريقة . وها هو ذا يقف بنا أمام نشأة الحياة في النبات . . وأمام مشاهد الأمطار الهاطلة ، والزروع النامية ، والثمار اليانعة . وهي حشد من الحيوات والمشاهد ، ومجال للتأمل والزيادة . لو نشاهدها بالحس المتوفز والقلب المتفتح . وها هو ذا الوجود كله ، جديدا كأنما نراه أول مرة . حيا يعاطفنا ونعاطفه ، متحركا تدب الحركة في أوصاله ، عجيبا يشده الحواس والمشاعر . ناطقا بذاته عن خالقه . دالا بآياته على تفرده وقدرته . . وعندئذ يبدو الشرك باللّه - والسياق يواجه الشرك والمشركين بهذا الاستعراض - غريبا غريبا على فطرة هذا الوجود وطبيعته . وشائها شائها في ضمير من يشاهد هذا الوجود الحافل بدلائل الهدى ويتأمله . وتسقط حجة الشرك والمشركين ، في مواجهة هذا الإيمان الغامر في مجالي الوجود العجيب . . والمنهج القرآني - في خطاب الكينونة البشرية بحقيقة الألوهية ؛ وفي بيانه لموقف العبودية منها ؛ يجعل حقيقة الخلق والإنشاء للكون ، وحقيقة الخلق والإنشاء للحياة ، وحقيقة كفالة الحياة بالرزق الذي ييسره لها اللّه في ملكه ، وحقيقة السلطان الذي يخلق ويرزق ويتصرف في عالم الأسباب بلا شريك . . يجعل من هذه الحقائق مؤثرا موحيا . وبرهانا قويا على ضرورة ما يدعو إليه البشر : من العبودية للّه وحده ، وإخلاص الاعتقاد والعبادة والطاعة والخضوع له وحده . . وكذلك يجيء في السياق - بعد استعراض صفحة الوجود ؛ وانكشاف حقيقة الخلق والإنشاء والرزق والكفالة والسلطان - الدعوة إلى عبادة اللّه وحده ، أي إلى إفراده سبحانه بالألوهية وخصائصها ، في حياة العباد كلها ؛ وجعل الحاكمية والتحاكم إليه وحده في شؤون الحياة كافة ، واستنكار ادعاء الألوهية أو إحدى خصائصها . وكذلك نجد في هذا الدرس قوله تعالى :
« ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ، خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ ، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ »
. . نموذجا للمنهج القرآني في ربط العبادة الخالصة ، بإفراد الألوهية للّه وحده ، مع تقرير أنه - سبحانه -
« خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ »
. .
« وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ »
. . وفي نهاية الدرس - وبعد عرض هذه الآيات في صفحة الوجود كله - يكشف عن تفاهة طلب الخوارق ، كما يكشف عن طبيعة المكذبين المعاندة ، التي لا تتخلف عن الإيمان لنقص في الآيات والدلائل ؛ ولكن لطبع فيها مطموس ! وإلا فهذه الآيات تزحم الوجود .
« إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى ، يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ، وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ . ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ؟ »
. . إنها المعجزة التي لا يدري سرها أحد ؛ فضلا على أن يملك صنعها أحد ! « 1 » معجزة الحياة نشأة وحركة . . وفي كل لحظة تنفلق الحبة الساكنة عن نبتة نامية ، وتنفلق النواة الهامدة عن شجرة صاعدة . والحياة الكامنة في الحبة والنواة ، النامية في النبتة والشجرة ، سر مكنون ، لا يعلم حقيقته إلا اللّه ؛ ولا يعلم مصدره إلا اللّه . . وتقف البشرية بعد كل ما رأت من ظواهر الحياة وأشكالها ، وبعد كل ما درست من خصائصها وأطوارها . .
هامش
( 1 ) يطنطن الماديون بأنه أمكن تحضير بعض المواد التي لم يكن يمكن تحضيرها إلا في تفاعلات كائن حي . . والفرق بين المادة العضوية والمادة الحية كبير . . كما أن هذه المادة المحضرة إنما صنعت من مواد مخلوقة ولم يخلقها البشر ، ولا يستطيعون !