تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1155

مساهمون:

ص١١٥٥
قادرين على التمييز بين ما يمكن أن يحدث بطريق المصادفة « 1 » ، وما يستحيل حدوثه بهذه الطريقة ، وأن نحسب احتمال حدوث ظاهرة من الظواهر في مدى معين من الزمان . . ولننظر الآن إلى الدور الذي تستطيع أن تلعبه المصادفة في نشأة الحياة : « إن البروتينات من المركبات الأساسية في جميع الخلايا الحية . وهي تتكون من خمسة عناصر ؛ هي : الكربون ، والأدروجين ، والنيتروجين ، والأكسجين ، والكبريت . . ويبلغ عدد الذرات في الجزء الواحد 000 ، 40 ذرة . ولما كان عدد العناصر الكيموية في الطبيعة 92 عنصرا ، موزعة كلها توزيعا عشوائيا « 2 » ، فإن احتمال اجتماع هذه الناصر الخمسة ، لكي تكون جزيئا من جزئيات البروتين ، يمكن حسابه لمعرفة كمية المادة التي ينبغي أن تخلط خلطا مستمرا لكي تؤلف هذا الجزء ؛ ثم لمعرفة طول الفترة الزمنية اللازمة لكي يحدث هذا الاجتماع بين ذرات الجزء الواحد . « وقد قام العالم الرياضي السويسري تشارلز يوجين جاي بحساب هذه العوامل جميعا ، فوجد أن الفرصة لا تتهيأ عن طريق المصادفة لتكوين جزيء بروتيني واحد ، إلا بنسبة 1 إلى 10 160 ، أي بنسبة 1 إلى رقم عشرة مضروبا في نفسه 160 مرة . وهو رقم لا يمكن النطق به أو التعبير عنه بكلمات . . وينبغي أن تكون كمية المادة التي تلزم لحدوث هذا التفاعل بالمصادفة بحيث ينتج جزيء واحد أكثر مما يتسع له كل هذا الكون بملايين المرات . . ويتطلب تكوين هذا الجزء على سطح الأرض وحدها - عن طريق المصادفة - بلايين لا تحصى من السنوات ، قدرها العالم السويسري بأنها عشرة مضروبة في نفسها 243 مرة من السنين ( 10 243 سنة ) . « إن البروتينات تتكون من سلاسل طويلة من الأحماض الأمينية . فكيف تتألف ذرات هذه الجزئيات ؟ إنها إذا تآلفت بطريقة أخرى ، غير التي تتآلف بها ، تصير غير صالحة للحياة . بل تصير في بعض الأحيان سموما . وقد حسب العالم الإنجليزي : ج . ب . سيثر
J . B . Seather
الطرق التي يمكن أن تتآلف بها الذرات في أحد الجزئيات البسيطة من البروتينات ، فوجد أن عددها يبلغ الملايين ( 10 ) . وعلى ذلك فإنه من المحال عقلا أن تتآلف كل هذه المصادفات لكي تبني جزيئا بروتينيا واحدا . « ولكن البروتينات ليست إلا مواد كيماوية عديمة الحياة ، ولا تدب فيها الحياة إلا عندما يحل فيها ذلك السر العجيب ، الذي لا ندري من كنهه شيئا ، إنه العقل اللانهائي « 3 » . وهو اللّه وحده ، الذي استطاع أن يدرك « 4 » ببالغ حكمته ، أن مثل هذا الجزء البروتيني يصلح لأن يكون مستقرا للحياة ، فبناه وصوره ، وأغدق عليه سر الحياة » . .
هامش
( 1 ) نحن بتصورنا الإسلامي لا نعرف أن هناك « مصادفة » واحدة في هذا الوجود . وإنما هو قدر اللّه يخلق به كل شيء :« إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ »وهناك سنن مطردة للوجود هي النواميس . وفي كل مرة تنفذ فيها السنة فإنها تنفذ بقدر - بدون جبرية آلية ، وكذلك يقع أن يجري قدر اللّه بالخارقة لتلك النواميس - في ظروف معينة لحكمة خاصة - فالقانون العام والخارقة كلاهما يمر بقدر خاص في كل مرة يجري فيها . . ونحن حين نقتطف من حديث « العلماء » فإن هذا لا يعني الموافقة على كل ما يقولونه . ( 2 ) وهذه - كذلك - واحدة من خبط « العلماء » فليس هنالك توزيع عشوائي . . إنما هنالك توزيع مرسوم بقدر معلوم ! ( 3 ) هذا التعبير « العقل اللانهائي » راسب من رواسب الفلسفة . يستخدمه الرجل لأنه من رواسب ثقافته ! والمسلم لا يعبر عن اللّه - سبحانه - إلا بما سمى به نفسه من أسمائه الحسنى . . ( 4 ) وهذه كذلك ! ! !
في ظلال القرآن — صفحة 1155 | سيد قطب