تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1146

مساهمون:

ص١١٤٦
من شهواته ونزواته ومطامعه ورغباته ، فضلا على أنه موكل بطاقات الأرض التي له عليها سلطان بسبب تسخيرها له من اللّه ، وليس موكلا بتصور الوجود تصورا مطلقا ، ولا بصياغة الأسس الثابتة للحياة . فهذا مجال العقيدة التي تأتي له من اللّه ؛ فتنشئ له تصورا سليما للوجود والحياة . . ومن ثم لا يكله اللّه إلى هذا العقل وحده ، ولا يكله كذلك إلى ما أودع فطرته من معرفة لدنية بربها الحق ، وشوق إليه ، ولياذ به في الشدائد . . فهذه الفطرة قد تفسد كذلك بسبب ما يقع عليها من ضغوط داخلية وخارجية ، وبسبب الإغواء والاستهواء الذي يقوم به شياطين الجن والإنس ، بكل ما يملكون من أجهزة التوجيه والتأثير . . إنما يكل اللّه الناس إلى وحيه ورسله وهداه وكتبه ، ليرد فطرتهم إلى استقامتها وصفائها ، وليرد عقولهم إلى صحتها وسلامتها ، وليجلو عنهم غاشية التضليل من داخل أنفسهم ومن خارجها . . وهذا هو الذي يليق بكرم اللّه وفضله ، ورحمته وعدله ، وحكمته وعلمه . . فما كان ليخلق البشر ، ثم يتركهم سدى . . ثم يحاسبهم يوم القيامة ولم يبعث فيهم رسولا :
« وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا »
« 1 » . . فتقدير اللّه حق قدره يقتضي الاعتقاد بأنه أرسل إلى عباده رسلا يستنقذون فطرتهم من الركام ، ويساعدون عقولهم على الخلاص من الضغوط ، والانطلاق للنظر الخالص والتدبر العميق . وأنه أوحى إلى هؤلاء الرسل منهج الدعوة إلى اللّه ، وأنزل على بعضهم كتبا تبقى بعدهم في قومهم إلى حين - ككتب موسى وداود وعيسى - أو تبقى إلى آخر الزمان كهذا القرآن . ولما كانت رسالة موسى معروفة بين العرب في الجزيرة ، وكان أهل الكتاب معروفين هناك ، فقد أمر اللّه رسوله أن يواجه المشركين المنكرين لأصل الرسالة والوحي ؛ بتلك الحقيقة :
« قُلْ : مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ - تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً - وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ »
. . وقد عرضنا في تقديم السورة للقول بأن هذه الآية مدنية ، وأن المخاطبين بها هم اليهود . ثم ذكرنا هناك ما اختاره ابن جرير الطبري من القراءة الأخرى « يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيرا » . . وأن المخاطبين بها هم المشركون ، وهذا خبر عن اليهود بما كان واقعا منهم من جعل التوراة في صحائف يتلاعبون بها ، فيبدون منها للناس ما يتفق مع خطتهم في التضليل والخداع ، والتلاعب بالأحكام والفرائض ؛ ويخفون ما لا يتفق مع هذه الخطة من صحائف التوراة ! مما كان العرب يعلمون بعضه وما أخبرهم اللّه به في هذا القرآن من فعل اليهود . . فهذا خبر عن اليهود معترض في سياق الآية لا خطابا لهم . . والآية على هذا مكية لا مدنية . . ونحن نختار ما اختاره ابن جرير . فقل لهم يا محمد : من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس ، مما يجعله اليهود صحائف يخفون بعضها ويظهرون بعضها قضاء للباناتهم من وراء هذا التلاعب الكريه ! كذلك واجههم بأن اللّه علمهم بما يقص عليهم من الحقائق والأخبار ما لم يكونوا يعلمون ؛ فكان حقا عليهم أن يشكروا فضل اللّه ؛ ولا ينكروا أصله بإنكار أن اللّه نزل هذا العلم على رسوله وأوحى به إليه . ولم يترك لهم أن يجيبوا على ذلك السؤال . إنما أمر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أن يحسم القول معهم في هذا الشأن ؛ وألا يجعله مجالا لجدل لا يثيره إلا اللجاج :
هامش
( 1 ) يراجع بتوسع تفسير قوله تعالى :« رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ». . في سورة النساء . الجزء السادس من الظلال ص 805 - 812 وفصل « تخبط واضطراب » في كتاب : « الإسلام ومشكلات الحضارة » . « دار الشروق » .