يسير عليه . وهذا الهدى وحده هو الذي يحتكم إليه ، وهذا الهدى وحده هو الذي يدعو إليه ويبشر به . . قائلا لمن يدعوهم :
« لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً »
. .
« إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ »
. . للعالمين . . لا يختص به قوم ولا جنس ولا قريب ولا بعيد . . إنه هدى اللّه لتذكير البشر كافة . ومن ثم فلا أجر عليه يتقاضاه . وإنما أجره على اللّه ! ثم يمضي السياق يندد بمنكري النبوات والرسالات ، ويصمهم بأنهم لا يقدرون اللّه قدره ، ولا يعرفون حكمة اللّه ورحمته وعدله . ويقرر أن الرسالة الأخيرة إنما تجري على سنة الرسالات قبلها ؛ وأن الكتاب الأخير مصدق لما بين يديه من الكتب . . مما يتفق مع ظل الموكب الذي سبق عرضه ويتناسق :
« وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا : ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ . قُلْ : مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ - تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً - وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ ؟ قُلِ : اللَّهُ . ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ . وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها ، وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ ، وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ »
. .
لقد كان المشركون في معرض العناد واللجاج يقولون : إن اللّه لم يرسل رسولا من البشر ؛ ولم ينزل كتابا يوحي به إلى بشر . بينما كان إلى جوارهم في الجزيرة أهل الكتاب من اليهود ؛ ولم يكونوا ينكرون عليهم أنهم أهل كتاب ، ولا أن اللّه أنزل التوراة على موسى - عليه السّلام - إنما هم كانوا يقولون ذلك القول في زحمة العناد واللجاج ، ليكذبوا برسالة محمد - صلى اللّه عليه وسلم - لذلك يواجههم القرآن الكريم بالتنديد بقولتهم :
ما أنزل اللّه على بشر من شيء ؛ كما يواجههم بالكتاب الذي جاء به موسى من قبل :
« وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا : ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ »
. .
وهذا القول الذي كان يقوله مشركو مكة في جاهليتهم ، يقوله أمثالهم في كل زمان ؛ ومنهم الذين يقولونه الآن ؛ ممن يزعمون أن الأديان من صنع البشر ؛ وأنها تطورت وترقت بتطور البشر وترقيهم . لا يفرقون في هذا بين ديانات هي من تصورات البشر أنفسهم ، كالوثنيات كلها قديما وحديثا ، ترتقي وتنحط بارتقاء أصحابها وانحطاطهم ، ولكنها تظل خارج دين اللّه كله . وبين ديانات جاء بها الرسل من عند اللّه ، وهي ثابتة على أصولها الأولى ؛ جاء بها كل رسول ؛ فتقبلتها فئة وعتت عنها فئة ؛ ثم وقع الانحراف عنها والتحريف فيها ، فعاد الناس إلى جاهليتهم في انتظار رسول جديد ، بذات الدين الواحد الموصول .
وهذا القول يقوله - قديما أو حديثا - من لا يقدر اللّه حق قدره ؛ ومن لا يعرف كرم اللّه وفضله ، ورحمته وعدله . . إنهم يقولون : إن اللّه لا يرسل من البشر رسولا ولو شاء لأنزل ملائكة ! كما كان العرب يقولون .
أو يقولون : إن خالق هذا الكون الهائل لا يمكن أن يعنى بالإنسان « الضئيل » في هذه الذرة الفلكية التي اسمها الأرض ! بحيث يرسل له الرسل ؛ وينزل على الرسل الكتب لهداية هذا المخلوق الصغير في هذا الكوكب الصغير ! وذلك كما يقول بعض الفلاسفة في القديم والحديث ! أو يقولون : إنه ليس هناك من إله ولا من وحي ولا من رسل . . إنما هي أوهام الناس أو خداع بعضهم لبعض باسم الدين ! كما يقول الماديون الملحدون ! وكله جهل بقدر اللّه - سبحانه - فاللّه الكريم العظيم العادل الرحيم ، العليم الحكيم . . . لا يدع هذا الكائن الإنساني وحده ، وهو خلقه ، وهو يعلم سره وجهره ، وطاقاته وقواه ، ونقصه وضعفه ، وحاجته إلى الموازين القسط التي يرجع إليها بتصوراته وأفكاره ، وأقواله وأعماله ، وأوضاعه ونظامه ، ليرى إن كانت صوابا وصلاحا ، أو كانت خطا وفسادا . . ويعلم - سبحانه - أن العقل الذي أعطاه له ، يتعرض لضغوط كثيرة