تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1143

مساهمون:

ص١١٤٣
عليه وسلم - وهذا القرآن يتنزل عليهم غضا ؛ وتشربه نفوسهم ؛ وتعيش به وله ؛ وتتعامل به وتتعايش بمدلولاته وإيحاءاته ومقتضياته ، في جد وفي وعي وفي التزام عجيب ، تأخذنا روعته وتبهرنا جديته ؛ وندرك منه كيف كان هذا الرهط الفريد من الناس ، وكيف صنع اللّه بهذا الرهط ما صنع من الخوارق ، في ربع قرن من الزمان : روى ابن جرير - بإسناده - عن عبد اللّه بن إدريس ، قال : « لما نزلت هذه الآية :
« الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ »
، شق ذلك على أصحاب رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وقالوا : أينا لم يظلم نفسه ؟ قال : فقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - « ليس كما تظنون . وإنما هو ما قال لقمان لابنه :
« لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ »
. . وروى كذلك - بإسناده - عن ابن المسيب ، أن عمر بن الخطاب قرأ :
« الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ »
فلما قرأها فزع . فأتى أبيّ بن كعب . فقال : يا أبا المنذر ، قرأت آية من كتاب اللّه . من يسلم ؟ فقال : ما هي ؟ . . فقرأها عليه . . فأينا لا يظلم نفسه ؟ فقال : غفر اللّه لك ! أما سمعت اللّه تعالى ذكره يقول :
« إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ »
؟ إنما هو : ولم يلبسوا إيمانهم بشرك . وروى - بإسناده - عن أبي الأشعر العبدي عن أبيه ، أن زيد بن صوحان سأل سلمان ، فقال : يا أبا عبد اللّه ، آية من كتاب اللّه قد بلغت مني كل مبلغ :
« الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ »
! فقال سلمان : هو الشرك باللّه تعالى ذكره . فقال زيد : ما يسرني بها أني لم أسمعها منك ، وأن لي مثل كل شيء أمسيت أملكه . فهذه الآثار الثلاثة تصور لنا كيف كان حس هذا الرهط الكريم بهذا القرآن الكريم . كيف كانت جدية وقعه في نفوسهم . كيف كانوا يتلقونه وهم يشعرون أنه أوامر مباشرة للتنفيذ وتقريرات حاسمة للطاعة ، وأحكام نهائية للنفاذ . وكيف كانوا يفزعون حين يظنون أن هناك مفارقة بين طاقتهم المحدودة ومستوى التكليف المطلوب . وكيف كانوا يجزعون أن يؤاخذوا بأي درجة من درجات التقصير ، والتفاوت بين عملهم وبين مستوى التكليف . حتى يأتيهم من اللّه ورسوله التيسير . إنه مشهد كذلك رائع باهر . . مشهد هذه النفوس التي حملت هذا الدين . . وكانت ستارا لقدر اللّه ؛ ومنفذا لمشيئته في واقع الحياة . . بعد ذلك يعرض السياق موكب الإيمان الجليل ، يقوده ذلك الرهط الكريم من الرسل : من نوح إلى إبراهيم إلى خاتم النبيين - صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين - يعرض السياق هذا الموكب ممتدا موصولا - وبخاصة منذ إبراهيم وبنيه من النبيين - ولا يراعي التسلسل التاريخي في هذا العرض - كما يلاحظ في مواضع أخرى - لأن المقصود هنا هو الموكب بجملته ، لا تسلسله التاريخي :
« وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ - كُلًّا هَدَيْنا - وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ - وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ . . وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . . وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ . . كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ . وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً . . وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ . . وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ . . وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ . . ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ، وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ . أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ . فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ . أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ، فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ ، قُلْ : لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً . إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ »
. .