ما أَنْزَلَ اللَّهُ ؟ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ ، وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ : أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ . الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ ، بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ، وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ . وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ، وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ ! لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ، وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ »
. .
وقد ورد عن قتادة وابن عباس - رضي اللّه عنهم - أن الآية نزلت في مسيلمة الكذاب وسجاح بنت الحارث زوجته والأسود العنسي ؛ وهم الذين تنبئوا في حياة الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وادعوا أن اللّه أوحى إليهم .
أما الذي قال سأنزل مثلما أنزل اللّه - أو قال أوحي إلى كذلك - ففي رواية عن ابن عباس أنه عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح ، وكان أسلم وكتب الوحي لرسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وأنه لما نزلت الآية التي في « المؤمنون » :
« وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ »
دعاه النبي - صلى اللّه عليه وسلم - فأملاها عليه .
فلما انتهى إلى قوله :
« ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ »
عجب عبد اللّه في تفصيل خلق الإنسان فقال :
« فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ »
. فقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « هكذا أنزلت عليّ » . . فشك عبد اللّه حينئذ وقال :
لئن كان محمد صادقا لقد أوحى إلي كما أوحى إليه ، ولئن كان كاذبا لقد قلت كما قال ! فارتد عن الإسلام ، ولحق بالمشركين . فذلك قوله :
« وَمَنْ قالَ : سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ »
. . ( رواه الكلبي عن ابن عباس ) . .
والمشهد الذي يرسمه السياق في جزاء هؤلاء الظالمين ( أي المشركين ) مشهد مفزع مرعب مكروب مرهوب .
الظالمون في غمرات الموت وسكراته - ولفظ غمرات يلقي ظله المكروب - والملائكة يبسطون إليهم أيديهم بالعذاب ، وهم يطلبون أرواحهم للخروج ! وهم يتابعونهم بالتأنيب :
« وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ : أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ، وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ »
. .
وجزاء الاستكبار العذاب المهين ، وجزاء الكذب على اللّه هذا التأنيب الفاضح . . وكله مما يضفي على المشهد ظلالا مكروبة ، تأخذ بالخناق من الهول والكآبة والضيق ! ثم في النهاية ، ذلك التوبيخ والتأنيب من اللّه تعالى ، الذي كذبوا عليه ، وها هم أولاء بين يديه ، يواجههم في موقف الكربة والضيق :
« وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ »
! فما معكم إلا ذواتكم مجردة ؛ ومفردة كذلك . تلقون ربكم أفرادا لا جماعة . كما خلقكم أول مرة أفرادا ، ينزل أحدكم من بطن أمه فردا عريان أجرد غلبان ! ولقد ند عنكم كل شيء ، وتفرق عنكم كل أحد ؛ وما عدتم تقدرون على شيء مما ملككم اللّه إياه ؛
« وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ »
. .
تركتم كل شيء من مال وزينة ، وأولاد ومتاع ، وجاه وسلطان . . كله هناك متروك وراءكم ، ليس معكم شيء منه ، ولا تقدرون منه على قليل أو كثير !
« وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ »
. .
هؤلاء الذين كنتم تزعمون أنهم يشفعون لكم في الشدائد ، وكنتم تشركونهم في حياتكم وأموالكم ، وتقولون :
إنهم سيكونون عند اللّه شفعاءكم ( كالذي كانوا يقولون : « ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى اللّه زلفى ! » ) سواء